مضيق التفاوض وفرص السلام

00:17 صباحا
قراءة 3 دقائق

عاش العالم 40 يوماً على وقع حرب جسدت الخروج على الشرعية الدولية وتجاوز القوانين الدولية والأعراف الإنسانية والاعتداء على حقوق الجار. الضربة الأولى التي وجهتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى طهران فاجأت العالم، قتلت حالة تفاؤل سائدة في ظل تصريحات متبادلة عن تقدم في مباحثات جنيف بين الأمريكيين والإيرانيين، أشعلت حرباً من وراء ظهر العالم ومن دون علم المنظمة الدولية والحلفاء لتكون انتهاكاً جديداً للقانون الدولي. 
إيران ردت على هذه الضربة بضربات على دول الخليج التي قاومت الحرب وحذرت من عواقبها وبذلت كل جهد دبلوماسي ممكن لمنعها، ليجسد العدوان الإيراني أسوأ صور الانتهاك للقيم والأعراف والقوانين، عدوان على جيران لم يكونوا أبداً دعاة حرب وظلوا دوماً صناع سلام، وجاء رد الفعل الخليجي مخيباً لظنون من كانوا يستهدفون إحراق الأخضر واليابس وإشاعة الفوضى، دفاع وصمود عسكري وشعبي يعكس حكمة صنّاع القرار ووعي الشعوب.
40 يوماً حبس العالم فيها أنفاسه، مشدوهاً أمام الشاشات متابعاً لضربات وأهوال تستهدف تخريب وتدمير منجزات وأحلام شعوب، متوجساً من خروج الأمور عن السيطرة، متحملاً أثماناً اقتصادية تفوق إمكانياته، وعندما تم الإعلان عن الهدنة وبدء مرحلة التفاوض تنفس العالم الصعداء، واستعادت أسواق المال بعض الأمل المفقود، وتراجعت أسعار النفط، وبدأ الناس ينتظرون في مختلف بقاع الأرض انعكاس ذلك على حياتهم، ولكن سرعان ما عاد التوجس والخوف من القادم أمام إصرار إسرائيل على عدم شمول لبنان بأي اتفاق ليبقى وحيداً في مواجهة القوة الغاشمة، وجاءت ضربة الثامن من إبريل/ نيسان بأكثر من 100 ضربة على 100 موقع مدني في لبنان في 10 دقائق تم خلالها قتل وإصابة المئات، لتسرق الأمل الذي بدد بقاياه انهيار مفاوضات إسلام آباد.
التفاوض بين أمريكا وإيران لم يتوقف منذ ثورة الخوميني، ولكنه في ذات الوقت لم يغير من حدة العداء بينهما شيئاً، وظل مجرد أداة لتخدير الرأي العام والعبث بالدبلوماسية، ومن يستعيد محطات التفاوض بين الدولتين يدرك أنه كان دوماً محكوماً بالفشل سواءً العاجل أم الآجل، مثل أزمة الرهائن التي طال التفاوض حولها ليتم الإفراج عنهم بعد 444 يوماً، واتفاق 2015 بشأن النووي والذي تم توقيعه في عهد أوباما لتنسحب منه أمريكا في فترة ترامب الأولى.
هذه الرحلة الطويلة من التفاوض العقيم والذي ضاقت فيه آفاق السلام ضيق مضيق هرمز لم يغير في علاقات البلدين شيئاً كان متوقعاً، أن ينتهي بحرب عنيفة لا تنفي أن الهدف لدى الطرفين في النهاية هو الاتفاق، ولأن عقيدة الرئيس ترامب هي أن السلام لا يتحقق سوى بالقوة فقد كانت هذه الحرب المأساوية التي استعرضت خلالها القوى الثلاث المتحاربة قدراتها العسكرية، واستنزفت بعضها البعض ومن استطاع التدمير لم يكتف بالمواقع العسكرية بل تجاوزها إلى بنى تحتية ومؤسسات علمية وصناعية ونفطية وملاحية، وحاولت إيران استغلال الحرب للنيل من استقرار ورفاه دول خليجية وعربية.
التاريخ المعاصر يؤكد أن الحروب تخرب وتدمر لكنها لا تضع حلولاً، ولكل حرب نهاية، ومثل الكثير من الحروب التي عايشناها في العقود الماضية تخرج كل الأطراف المتحاربة لتعلن انتصارها وكأنها كانت مجرد حروب على الفراغ، ولا سبيل لحل الأزمات سوى الجلوس على موائد المفاوضات، التي يعني فشلها المزيد من الخراب والانهيار، وينقذ نجاحها ما تبقى من مقومات الحياة من أجل الأجيال المقبلة.
مشكلة المفاوضات الأمريكية الإيرانية أن كل طرف منهما ذهب إلى إسلام آباد للجلوس مع الآخر بمنطق المنتصر القادم لجني الثمار ونيل المغانم، ذهب ليفرض شروطه على الآخر من دون أن يقدم تنازلات، وهذه أوهام المتحاربين، ناهيك عن انعدام الثقة بين الطرفين، ولو تولدت بعض الثقة فإن وجود إسرائيل في الموضوع واستمرار قصفها للبنان كفيلان بتبديدها لدى الإيرانيين.
نجاح المفاوضات يستلزم وقتاً وجهداً، ولن يتم الاتفاق خلال جولة او اثنتين ولكنه سيتم بعد جولات، ويفرض التخفيف من حدة التهديد والوعيد المتبادل، وفي النهاية لا بد من الاتفاق، الذي لا نتمناه أن يكون هدنة طويلة الأمد، بل نهاية للحرب، وخصوصاً أن الموروث بين الأطراف الثلاثة لا يبشر بسلام دائم، وأياً كان الاتفاق المنتظر فإن الوصول إليه أفضل من استمرار الحرب التي فقدت فيها الأطراف العقل وتخلت عن الحكمة وتجاوزت الشرعية، وهددت استقرار الإقليم وهددت الملاحة والتجارة العالمية وألقت بظلال قاتمة على الاقتصاد العالمي ورفعت معاناة البشر في أربع جهات الأرض.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب صحفي، بدأ مسيرته المهنية عام 1983 في صحيفة الأهرام المصرية، وساهم انطلاقة إصداراتها. استطاع أن يترك بصمته في الصحافة الإماراتية حيث عمل في جريدة الاتحاد، ومن ثم في جريدة الخليج عام 2002، وفي 2014 تم تعيينه مديراً لتحرير. ليقرر العودة إلى بيته الأول " الأهرام" عام 2019

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"