المجر بعد أوربان.. دولة تعـيد تعريفها

00:04 صباحا
قراءة 3 دقائق

في المساء الذي بدا عادياً فوق نهر الدانوب، كانت المجر تغير جلدها بصمت ثقيل، كأمة أنهكها طول البقاء في صورة واحدة. لم تكن هزيمة فيكتور أوربان مجرد انتقال سلطة، بل انكسار سردية حكمت البلاد ستة عشر عاماً، حتى بدت وكأنها قدرٌ لا يُكسر. ثم كُسر، لا بضـــجيج الشــوارع، بل بتآكل داخلي بلغ لحظة الانكشاف.
جاء بيتر ماغيار بأغلبية دستورية حاسمة 141 مقعداً من أصل 199 تفويضاً لا يتيح له الحكم فحسب، بل إعادة كتابة قواعده. لكن السؤال الأعمق لم يكن كيف فاز، بل لماذا خسر أوربان؟ خلال العامين الأخيرين، تجاوز التضخم في المجر حدود 20% في ذروته، متآكلاً في صمت القدرة الشرائية للطبقة الوسطى، بينما ظلت أكثر من 10 مليارات يورو من أموال الاتحاد الأوروبي مجمدة بسبب مخاوف تتعلق بسيادة القانون. في الوقت نفسه، بات ما يُقدر بنحو 80% من المشهد الإعلامي خاضعاً بشكل مباشر أو غير مباشر لنفوذ السلطة، في فقاعة لم تعد تقنع حتى جمهورها. ثم جاءت حرب أوكرانيا لتضع أوربان في موقع ملتبس، أقرب إلى فلاديمير بوتين منه إلى أوروبا، ففقد توازنه بين الداخل والخارج معاً.
المفارقة أن ماغيار لم يأت من خارج هذا النظام، بل خرج من رحمه. كان جزءاً من دوائره، شاهداً على آلياته، قبل أن يتحول إلى خصمه. ولهذا، لا يقدم نفسه كثائر، بل كمُرمم يعيد التوازن: مكافحة الفساد، استعادة أكثر من عشرة مليارات يورو مجمدة من الاتحاد الأوروبي، وإعادة بناء القضاء والإعلام.
في عهد أوربان، لم تكن الدولة إطاراً محايداً، بل أداة أعيد تشكيلها تدريجياً حتى غدت مؤسساتها امتداداً للسلطة لا رقيباً عليها. ومن هنا، لا يرث ماغيار مؤسسات قابلة للإصلاح، بل بنية صُممت لتقاومه. معركته الأولى لن تكون مع خصومه في البرلمان، بل مع «شكل الدولة» نفسه: أن يفكك دون أن يُسقط، وأن يعيد البناء دون أن يعيد تركيز القوة في يد واحدة. وهي معادلة نادراً ما تنجح، لأن أدوات الإصلاح حين تشتد قد تتحول بسهولة إلى أدوات سيطرة جديدة.
أوروبياً، لم يُقرأ الحدث كفوز معارضة، بل كعودة دولة. داخل الاتحاد الأوروبي، بدا وكأن بودابست تقترب مجدداً من مركز القرار بعد سنوات من الفيتوهات المعطلة. إعادة تدفق الأموال، واحتمال رفع العوائق أمام دعم كييف، تعني أن «العضو المشاغب» قد غادر موقعه. لكن السؤال الأهم يبقى: هل انتهت «الأوربانية» كنهج، أم أنها انكفأت مؤقتاً؟
في موسكو، تُقرأ الخسارة بوضــــوح أشد. لم يكن أوربان مجرد حليف، بل أداة تعطـيل داخــــل أوروبـــا تمنح فلاديمير بوتين ما هو أثمن من الدعم: الوقت. ومع غيابه، تخسر روسيا قدرتها على إبـــطاء خصومها من الداخل. إنها خسارة درامية لنقطة ارتكاز، لكنها ليست هزيمة كاملة فتماسك أوروبا نفسه لا يزال عرضة للاهتزاز، من الحرب في أوكرانيا إلى تعقيدات أسواق الطاقة عبر مضيق هرمز، حيث يكفي اضطراب محدود لرفع الأسعار عالمياً وإرباك الحسابات الأوروبية.
أما الولايات المتحدة، فلا تنظر إلى المجر كدولة محورية بقدر ما تراها عقدة داخل شبكة أوسع. زيارة جي دي فانس عشية الانتخابات دعماً لأوربان عكست رهاناً على استمرار نموذج الشعبوية المرتبط بتيار دونالد ترامب، لكن النتيجة كشفت حدود هذا الرهان. المجر ليست أولوية لواشنطن، لكنها ليست هامشية؛ فهي نقطة توازن داخل أوروبا والناتو، وأي تحول فيها ينعكس على تماسك الغرب ككل.
في المقابل، تخسر الصين أحد أكثر أبوابها انفتاحاً داخل أوروبا. فلم تكن بودابست في عهد فيكتور أوربان مجرد شريك اقتصادي، بل نقطة ارتكاز في مشروع الحزام والطريق داخل القارة. من خط السكك الحديدية بين بودابست وبلغراد إلى مشروع جامعة فودان الذي أثار احتجاجات واسعة، لم يكن الحضور الصيني عابراً، بل كان جزءاً من إعادة رسم موقع المجر بين الشرق والغرب. 
داخلياً، يفتح التفويـــض الدستوري الباب أمام تغييرات عميقة: تعديل قواعد الحكم، إعادة هيكلة الإعلام، ومحاسبة شبكات الفساد. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في صعوبة الهدم، بل في تعقــــيد البناء. فالنظام الذي استمر ستة عشر عاماً لم يتـــــرك مؤسسات فقط، بل ترك ثقافة سياسية وشبكات نــــفوذ قد تعرقل أي محاولة إصلاح. المشكلة ليست في أن النظام سقط، بل في أن أجزاء منه ما زالت قائمة داخل الدولة نفسها.
أما أوربان، فلم يغادر تماماً. سيبقى زعيماً للمعارضة، وربما رمزاً لتيار لم ينته بعد. وهنا يتجاوز السؤال مصيره الشخصي إلى ما هو أعمق: هل انتهت الحاجة إلى «الرجل القوي»، أم أنها تنتظر شكلاً جديداً؟
في النهاية، لا تغيّر المجر حكومتها فحسب، بل تختبر قدرتها على إعادة تعريف الدولة نفسها. الاختبار الحقيقي ليس في إسقاط رجل قوي، بل في قدرة دولة على ألا تبحث عن بديل له.

[email protected]

عن الكاتب

كاتبة

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"