هل تصنع الثروة الدول؟

آخر الكلام
00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

هل الثروة الطبيعية للدول اختبار أم جائزة؟
حين هاجمت الصواريخ الإيرانية حقول النفط والغاز في المنطقة، وجدت نفسي أحدّق في خريطة القوى العالمية، وهذا السؤال يطاردني.
الأرض منحت الجميع بعدالة متفاوتة؛ غابات هنا، وأنهاراً هناك، ونفطاً في مكان آخر، لكن الهبة وحدها لا تصنع أمة. في محيطنا الإقليمي، هناك دول أعطاها الله الكثير من الثروات الطبيعية، ومع ذلك بقيت عالقة في دوامات من الأزمات والفقر، لكن الصورة في الخليج كانت مختلفة؛ ثروة في حضن صحراء قاسية، عرف أهلها كيف يديرونها، فكانت نقطة انطلاق لنهضة سبقت دولاً تملك موارد أكبر، لكنها لم تستثمرها بالقدر نفسه.
حظ الخليج الجغرافي لم يكن نعمة خالصة، بل حمل معه تبعات ثقيلة. من الربع الخالي إلى صحارٍ لا تنتهي، وحرارة قاسية تكاد تذيب كل شيء. ثم الموقع في قلب الشرق الأوسط، حيث تلتقي أطماع القوى الكبرى وتتشابك حسابات الجوار منذ قرون. كان يمكن لهذا كله أن يكون عبئاً، لكن الخليج قرأ جغرافيته بعيون مختلفة، وحوّل قسوة الموقع إلى فرصة. اللحظة الفارقة لم تكن فيما منحته الأرض، بل في كيفية التعامل معه حين بدأ هذا الموقع يُقرأ كجسر يربط العالم، لا كعبء يعيق الحركة.
قادة من أمثال المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، آمنوا بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الحقيقي، فكان النفط وسيلة لا غاية؛ صرف على التعليم والبنية التحتية وبناء الدولة، وامتد إلى صناديق سيادية ومدن تخطط للمستقبل. وفي نماذج أخرى، تحوّل النفط إلى أداة لبقاء النظام؛ ذهب للحروب وأجهزة الأمن، بينما يواجه المواطن أعباء الحياة اليومية بصعوبة.
التجربة الخليجية ليست صورة مثالية مكتملة، والتحول لمرحلة ما بعد النفط لا يزال تحدياً حقيقياً، لكن ما يميزها، ربما، هو الإدراك المبكر أن المستقبل يُبنى بالعقل قبل الموارد.
بعد آخر برميل، ما سيبقى ليس ما استُخرج من باطن الأرض، بل ما زُرع في عقول الناس. المرحلة القادمة بدأت ملامحها تتشكل، حيث يتزايد الرهان على المعرفة والابتكار، لأنهما الامتداد الصحيح للاستثمار في الإنسان.
حين تتساقط الصواريخ وتُختبر الجغرافيا، يصمد ما بنته المجتمعات من قدرة على التكيف والاستعداد، فالجغرافيا قد تُهاجَم، لكن ما يُبنى في العقل يظل أكثر قدرة على الصمود والبقاء.

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"