بعد نحو ثلاثة أشهر على تشكيلها، لا تزال لجنة التكنوقراط الوطنية لإدارة قطاع غزة تقبع في أحد فنادق القاهرة من دون أن تتمكن من ممارسة عملها على الأرض بفعل الرفض الإسرائيلي، رغم أنها منبثقة من «مجلس السلام» الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
عودة الحديث مؤخراً، عن تفعيل هذه اللجنة، يأتي كخيار من جانب الوسطاء وممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، لتجاوز عقبتي «نزع السلاح» و«الانسحاب الإسرائيلي»، في محاولة لوضع الأطراف أمام واقع جديد يجب التعامل معه. ولكن هذا الواقع الجديد يحتاج أولاً إلى كسر «الفيتو» الإسرائيلي الذي لا يزال يرفض التعامل مع أي التزامات تتعلق بالمرحلة الثانية من اتفاق غزة، قبل «نزع السلاح»، يقابله إصرار من الجانب الفلسطيني على تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى وفي مقدمتها الالتزام الفعلي بوقف إطلاق النار، ووقف الخروقات والمقتلة اليومية بحق الفلسطينيين، وفتح المعابر وإدخال المساعدات طبقاً للاتفاق، والبروتوكول الإنساني بكامله، قبل الحديث عن «نزع السلاح» الذي هو من استحقاقات المرحلة الثانية.
بطبيعة الحال، هناك مقترحات من جانب «مجلس السلام» مترافقة مع ضغوط على الطرف الفلسطيني للقبول بـ«نزع السلاح» كمدخل لحل القضايا الأخرى، على أن يتم ترحيل ما تبقى من استحقاقات المرحلة الأولى وربطها بالمرحلة الثانية وأن يجري التفاوض بشأنها دفعة واحدة. وهو ما يتفق مع الطرح الإسرائيلي، بينما يريد الجانب الفلسطيني إدخال تعديلات حول هذا الطرح بحيث يتم «نزع السلاح» بالتدريج ومن ثم ربطه بأفق سياسي لحل الصراع في نهاية المطاف.
ومن ضمن المقترحات الجديدة أيضاً تقصير فترة المرحلة الثانية من ثمانية شهور إلى أربعة أو ثلاثة أشهر، لتعجيل البدء بإعادة الإعمار وتمكين لجنة الإدارة الجديدة من تقديم الخدمات لسكان القطاع وإحداث تغيير حقيقي في حياة هؤلاء السكان الذين يعانون كارثة إنسانية متفاقمة. غير أنه حتى في إطار هذا المفهوم، فإن الإدارة الجديدة لا يمكنها أن تعمل بمعزل عن إدخال قوات الشرطة التي جرى تدريبها في الشهور الأخيرة، ونشر قوات الاستقرار الدولية، وأيضاً توفير التمويل الكافي، لكي تتمكن هذه الإدارة من التحرك في كل مناطق القطاع، وتتسلم دفة الحكم فعلياً وتقوم بحصر السلاح في نطاق سلطة واحدة تابعة لها.
وحقيقة الأمر، أن مفتاح كل هذه القضايا، يكمن في واشنطن، المنشغلة كلياً في الصراع الإقليمي الدائر في المنطقة، والتي يعتقد أنها، في هذه المرحلة، ليست في وارد ممارسة الضغوط أو كسر «الفيتو» الإسرائيلي لحلحلة الأمور والمضي قدماً في تنفيذ خطة غزة. وهو ما يحمل على الاعتقاد بأن كل المحاولات الجارية من جانب الوسطاء و«مجلس السلام» لن تتمكن من تحقيق أي تقدم جدي وملموس على هذا الصعيد، بقدر ما يمكنها التعايش مع هدنة هشة لإبقاء ملف غزة على قيد الحياة.