الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الضرائب الأمريكية المقنّعة

26 أبريل 2026 22:21 مساء | آخر تحديث: 26 أبريل 22:23 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم تكن ملاحظة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان عن السياسات الاقتصادية مجرد نكتة عابرة، حين قال، إن الحكومة إذا وجدت شيئاً يتحرك فرضت عليه ضرائب، وإذا استمر في الحركة نظمته، وإذا توقف دعّمته. بعد عقود، تبدو هذه القاعدة وكأنها تحولت إلى واقع عملي في عهد إدارة ترامب، لكن عبر أداة واحدة، الرسوم الجمركية، استخدمتها لتحقيق الأهداف الثلاثة.
خلال عام واحد، استُخدمت هذه الرسوم كضريبة مباشرة، وكأداة تنظيم غير معلن، وكوسيلة دعم انتقائية، لتنتج في النهاية مزيجاً ثقيلاً قاد إلى تباطؤ اقتصادي ملحوظ.
روّج أنصار الرسوم الجمركية لفكرة أنها ضرائب مفروضة على المنتجين الأجانب، لكن الواقع مختلف تماماً. فالرسوم ليست ضريبة على الخارج، بل على الداخل، على الشركات والمستهلكين الأمريكيين الذين يشترون من الخارج.
المنتج الأجنبي لا يحتاج إلا إلى تحويل مبيعاته إلى أسواق أخرى لتجنب الرسوم، بينما يجد المستورد الأمريكي نفسه مضطراً لتحمل الكلفة. والأرقام تكشف الصورة بوضوح: الأمريكيون دفعوا في 2025 نحو 330 مليار دولار إضافية مقابل الواردات مقارنة بالعام السابق، رغم أن حجم المشتريات لم يرتفع إلا بشكل طفيف. أكثر من نصف هذه الزيادة جاء مباشرة من الرسوم نفسها.
بعبارة أخرى، تحولت الرسوم إلى واحدة من أكبر زيادات الضرائب غير المعلنة في التاريخ الحديث، زيادة قد تلتهم جزءاً كبيراً من التخفيضات الضريبية التي تروج لها نفس السياسات.
بعيداً عن كونها مجرد أداة مالية، أصبحت الرسوم وسيلة لإعادة توجيه النشاط الاقتصادي. بدلاً من سن قوانين تنظيمية مباشرة، تم استخدام الرسوم المرتفعة كحواجز تجبر الشركات على تغيير سلوكها.
هذه المقاربة تعكس رؤية انتقائية، بعض الشركات تستحق الحماية، وأخرى يجب أن تُترك لمصيرها. لكن هذا النوع من الهندسة الاقتصادية يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن الاقتصاد الحديث قائم على سلاسل إمداد عالمية معقدة.
نحو نصف الواردات الأمريكية ليست سلعاً نهائية، بل مدخلات إنتاج، ألمنيوم لصناعة الطائرات، مكونات للسيارات، وأجهزة طبية تنقذ الأرواح. وحين تُفرض الرسوم على هذه المدخلات، فإنها لا تحمي الصناعة... بل تخنقها.
النتيجة لم تتأخر في الظهور. قطاع السيارات الأمريكي، على سبيل المثال، شهد تراجعاً بنحو 10% في الإنتاج، متزامناً مع انخفاض مماثل في واردات المكونات، وفقدان عشرات الآلاف من الوظائف. في المقابل، ارتفعت واردات السيارات المصنعة بالكامل خارج الولايات المتحدة، وهو عكس الهدف المعلن.
أما سوق العمل، فيقدم صورة أكثر قتامة. كل النمو في الوظائف خلال 2025 تحقق قبل فرض الرسوم، بينما سجلت الأشهر التالية خسائر صافية في الوظائف. حتى مؤشرات المشاركة في القوى العاملة تراجعت، في دلالة على ضعف أعمق من مجرد تقلبات دورية.
وانخفضت الاستثمارات في التصنيع، واتجه رأس المال نحو قطاعات الخدمات الأقل تعرضاً لاضطرابات التجارة. كما أن عملية إعادة التصنيع وتقليص العجز التجاري، أحد أبرز أهداف الرسوم الجمركية، لم تتحقق كما كان منتظراً، ليرتفع العجز في تجارة السلع بدلاً من أن ينخفض.
والأهم أن الرسوم فشلت في تحفيز نهضة صناعية حقيقية، لأنها ببساطة تعاقب الصناعات المتقدمة التي تعتمد على مدخلات عالمية، وتدعم في المقابل قطاعات أقل كفاءة.
في جوهرها، لا تخلق الرسوم نمواً، بل تعيد توزيع الثروة. حين تُفرض رسوم على الألمنيوم، فإنها تنقل الموارد من شركات الطيران، التي تدفع أكثر، إلى منتجي الألمنيوم الذين يبيعون بسعر أعلى. وحين ترتفع أسعار السلع المعلبة، فإن المستهلك هو من يدفع الثمن لصالح المنتج.
هذه ليست سياسة تنموية، بل عملية نقل للثروة من فئات واسعة إلى مجموعات محدودة.
الرسوم، حين لا تكون مدروسة، ترفع الأسعار، وتقلص الخيارات، وتفصل الاقتصاد عن سلاسل الابتكار العالمية. والأسوأ أنها تخلق انقساماً داخلياً، بين من يستفيدون من الحماية، ومن يدفعون كلفتها.
قد يكون من الصعب قياس كل الأضرار التي أحدثتها رسوم 2025 الأمريكية على العالم، لكن المؤكد أنها أبطأت النمو الداخلي، وأضعفت القدرة التنافسية، وخفضت مستوى المعيشة.
المفارقة أن هذه النتائج جاءت رغم وجود تخفيضات ضريبية وتخفيف للقيود التنظيمية وزيادة في إنتاج الطاقة، ما يبرز مدى تأثيرها السلبي العميق.
في النهاية، تثبت التجربة مرة أخرى أن استخدام أمريكا للرسوم كأداة شاملة للفرض والتنظيم والدعم لا يؤدي إلى «تحرير» الاقتصاد، بل إلى تقييده. إنها ليست وصفة للنمو، بل شكل من أشكال إلحاق الضرر الذاتي، نهج قد يبدو جذاباً سياسياً، لكنه مكلف اقتصادياً على المدى الطويل.
* نائب رئيس معهد «بلايموث» للمشاريع الحرة في منظمة «النهوض بالحرية الأمريكية»«معهد سيفيتاس»
ريتشارد ستيرن
ريتشارد ستيرن

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه