أسهمت هدنة الحرب بين إيران والولايات المتحدة في تبديد جزء من التشاؤم الاقتصادي الكلي الذي خيّم على سوق النحاس العالمي. لكن، بالنسبة للمراهنين على استمرار صعود الأسعار، قد تكون هناك مشكلة أكبر وأكثر عمقاً تلوح في الأفق، هذه المشكلة اسمها الصين.
فالصين، أكبر مستهلك للنحاس في العالم، أوضحت عدم استعدادها لدفع أسعار مرتفعة مقابل المعدن الخام كما حدث مطلع العام، حين قفز سعر النحاس لثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن إلى مستوى قياسي بلغ 14527 دولاراً للطن المتري.
الأرقام تعكس هذا الموقف بوضوح. فقد هبط صافي واردات الصين من النحاس المكرر إلى 125350 طناً في فبراير/شباط، وهو أدنى مستوى شهري منذ إبريل/نيسان 2011.
ورغم أن تراجع الطلب عند ارتفاع الأسعار يُعدّ سلوكاً طبيعياً في أسواق السلع الأساسية، فإن ما يحدث في الصين يتجاوز مجرد استجابة سعرية مؤقتة، إذ يكشف عن تحوّل هيكلي يمنح بكين نفوذاً متزايداً على تسعير النحاس عالمياً.
بدأ تباطؤ واردات الصين من النحاس منذ سبتمبر/أيلول الماضي، عندما تجاوز سعر المعدن في بورصة لندن حاجز 10 آلاف دولار للطن وواصل الصعود نحو ذروته في يناير/كانون الثاني.
وخلال أول شهرين من عام 2026، انخفضت الشحنات الواردة إلى 454 ألف طن، بتراجع 25% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
في المقابل، استغلت المصاهر الصينية موجة ارتفاع الأسعار لزيادة صادراتها. فقد قفزت الشحنات الصادرة إلى 172 ألف طن خلال يناير وفبراير، مقارنة مع 49 ألف طن فقط في الفترة ذاتها من العام الماضي.
وبذلك، بلغ صافي ما سحبته الصين من النحاس من بقية العالم 283 ألف طن فقط خلال أول شهرين من السنة، وهو أضعف بداية سنوية منذ عام 2006.
صحيح أن جزءاً من هذه الصادرات، خصوصاً المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة، قد يكون مصدره مخزونات المستودعات الجمركية الصينية، حيث سعى المتداولون إلى سد فجوات الإمداد التي خلّفتها الرسوم الجمركية الأمريكية العام الماضي. لكن اللافت أن النحاس الصيني تدفق أيضاً مباشرة إلى مستودعات بورصة لندن في كوريا الجنوبية وتايوان.
وتظهر تقارير بورصة لندن أن كمية النحاس من العلامات التجارية الصينية المسجّلة على أوامر التسليم ارتفعت من 87475 طناً نهاية ديسمبر/كانون الأول إلى 155600 طن بنهاية فبراير/شباط.
هذا التحوّل التجاري الكبير يفسر إلى حد بعيد لماذا ارتفعت مخزونات بورصة لندن إلى 385275 طناً، متجاوزة ذروة عام 2018، وعودتها إلى مستويات لم تُسجّل منذ 2013.
اللافت للانتباه، أن المخزونات المحلية الصينية من النحاس ارتفعت هذا العام بوتيرة موسمية أكبر من المعتاد، رغم الانخفاض الحاد في الواردات. فعادة ما ترتفع مخزونات بورصة شنغهاي للعقود الآجلة خلال عطلة رأس السنة القمرية، إلا أن الزيادة هذا العام كانت استثنائية.
فقد بلغت المخزونات ذروتها عند 433500 طن مطلع مارس، مقارنة ب268300 طن فقط خلال الفترة نفسها من العام الماضي. أما الرقم القياسي الموسمي السابق فكان 380 ألف طن في عام 2020، عندما تزامنت العطلات مع إغلاقات جائحة كورونا.
ورغم عودة المشترين الصينيين لاحقاً إلى السوق، وانخفاض مخزونات بورصة شنغهاي إلى 301 ألف طن، لكن لا يزال هناك كمية كبيرة من المعادن يجب استهلاكها قبل اللجوء إلى الاستيراد.
ما يمنح الصين هذه القدرة المتزايدة على مقاومة الأسعار المرتفعة هو التوسع المستمر في طاقات الصهر والتكرير المحلية. فوفق تقديرات بنك ماكواري، نما إنتاج الصين من النحاس المكرر بنسبة 9% خلال عام 2025، ما أضاف نحو مليون طن جديد إلى المعروض المحلي.
والأهم أن المصاهر الصينية نجحت باستمرار في التفوق على منافسيها الغربيين في تأمين المواد الخام، رغم ضيق سوق مركزات النحاس عالمياً. فبينما نما الإنتاج العالمي من المناجم بنسبة متواضعة بلغت 1.8% فقط خلال 2025، ارتفعت واردات الصين من مركزات النحاس بنسبة 7.8% خلال الفترة نفسها.
كما زادت واردات النحاس القابل لإعادة التدوير، وهو مصدر تغذية إضافي للمصاهر، بنسبة 4%.
لكن هذا النجاح الصيني جاء على حساب المنتجين الآخرين. فبحسب ماكواري، انكمش إنتاج المصاهر الغربية بنسبة 5.1% خلال 2025.
لم تعد سوق النحاس تتحرك فقط وفق معادلة الطلب العالمي التقليدي أو رهانات المستثمرين على التعافي الاقتصادي، إذ بات هناك لاعب واحد يمتلك قدرة أكبر على إعادة تشكيل التوازنات: الصين.
فبفضل توسعها الإنتاجي، تستطيع بكين اليوم تقليص وارداتها عندما ترتفع الأسعار، وزيادة صادراتها عندما تصبح الأسواق الخارجية أكثر جاذبية. وهذا يمنحها مرونة استثنائية في مقاومة موجات الصعود السعري.
لذلك، حتى إذا هدأت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وعاد المستثمرون للمراهنة بقوة على ارتفاع النحاس، فإن الرهان على استجابة صينية تقليدية قد يكون خاطئاً.
ففي سوق النحاس الجديدة، لم تعد الصين مجرد أكبر مشترٍ... بل أصبحت قوة قادرة على إعادة كتابة قواعد اللعبة نفسها.
* كاتب متخصص في أسواق المعادن الصناعية (رويترز)
