البداية بالسؤال التالي: في الفترة السابقة، أي قبل انتشار برامج الذكاء الاصطناعي، كيف كان يتم تحديد المهارات المطلوبة لتشغيل الاقتصاد؟ أدبيات الموضوع تشير إلى عوامل الإنتاج التقليدية، كما في كتب الاقتصاد. إذا تم تحديد تشكيلة الإنتاج تم تحديد المهارات المطلوبة لتشغيل الاقتصاد بعوامل الإنتاج التقليدية التي تتجسد في التكنولوجيا، والعمل، ورأس المال، والإدارة، والأرض. المغزى هو «حدد ما تريد أن تنتج من سلع وخدمات تحدد عوامل الإنتاج المطلوبة». وفي ظل الذكاء الاصطناعي، إنجاز المهام يحتاج إلى عوامل إنتاج مناسبة، خصوصاً من التكنولوجيات المتوفرة. إن الانتقال من تكنولوجية إلى أخرى أصبح أسرع، أي يأخذ فترة اقصر للانتقال إلى تكنولوجيا حديثة. ويشكل التطور التكنولوجي تأثيراً في أسواق العمل.
وفي ظل التحول الذي تشهده بيئة العمل بفعل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية، بات العاملون في صدارة الابتكار أنفسهم عرضة للاضطرابات، كما يتضح من عمليات تسريح العمالة التي أجرتها كبرى شركات التكنولوجيا.
الانتقال من تكنولوجيا إلى أخرى من الطبيعي أن يكون له آثار في أسواق العمل. مع ذلك، ففي الوقت الذي تختفي فيه بعض الوظائف، تبرز أدوار جديدة: مهارات جديدة، ومهام جديدة، ومهن جديدة كلياً، تنشأ جنباً إلى جنب مع عمليات الأتمتة لتتيح مسارات بديلة للازدهار. وبالنسبة إلى العاملين تبيّن أدبيات صندوق النقد الدولي أن العثور على وظيفة، أو الحفاظ عليها، يعتمد بشكل متزايد على القدرة على تطوير المهارات، أو اكتساب مهارات جديدة.
ويكشف أحدث تحليلات صندوق النقد الدولي لملايين الوظائف الشاغرة عبر الإنترنت عن حجم الطلب على المهارات الجديدة: فوظيفة من كل 10 وظائف معلنة في الاقتصادات المتقدمة وواحدة من كل 20 في اقتصادات الأسواق الصاعدة تطلب مهارة جديدة واحدة، على الأقل. والوظائف المهنية والتقنية والإدارية هي الأكثر طلباً على المهارات الجديدة، لا سيما في مجال تكنولوجيا المعلومات، الذي يمثل أكثر من نصف هذا الطلب.
وهناك أيضاً طلب متزايد على الكفاءات المتخصصة في قطاعات محددة. فعلى سبيل المثال، يشهد قطاع الرعاية الصحية ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على مهارات الرعاية من بُعد، والمهارات الصحية الرقمية، في حين يزداد الطلب على الخبرة العملية في وسائل التواصل الاجتماعي في مجال التسويق. ومن المفهوم أن التغيرات التي يشهدها سوق العمل تثير شعوراً بالقلق بين العاملين. ففي ظل تأثر ما يقرب من 40% من الوظائف العالمية بالتغيرات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتضاؤل الفرص المتاحة لبعض الفئات. ويؤكد ذلك الحاجة إلى صنع سياسات استباقية وشاملة لتهيئة القوى العاملة لمستقبل العمل، وضمان تقاسم مكاسب الذكاء الاصطناعي بين الجميع. دفع أصحاب الأعمال أجوراً أعلى للعاملين ذوي المهارات الجديدة. ففي بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية عادة ما تكون أجور الوظائف المعلنة التي تتطلب مهارات جديدة أعلى بنحو3 في المئة، وتزداد هذه النسبة في إعلانات الوظائف التي تتطلب أربع مهارات جديدة، أو أكثر. ويمكن أن تصل الزيادة في أجور هذه الوظائف إلى 15 في المئة في بريطانيا، و8,5 في المئة في أمريكا، الأمر دفع أصحاب الأعمال أجوراً أعلى للعاملين ذوي المهارات الجديدة. ففي بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، عادة ما تكون أجور الوظائف المعلنة التي تتطلب مهارات جديدة أعلى، وتزداد هذه النسبة في إعلانات الوظائف ذوي المهارات الجديدة. وإعلانات الوظائف التي تتطلب أربع مهارات جديدة، أو أكثر. ويمكن أن تصل الزيادة في أجور هذه الوظائف إلى 15 في المئة، وفي ضوء ما تقدم، فإن النجاح في عصر الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى اكتساب مهارات جديدة.
* مستشار اقتصادي
