أسهمت هدنة الحرب بين إيران والولايات المتحدة في تبديد جزء من التشاؤم الاقتصادي الكلي الذي خيّم على سوق النحاس العالمي. لكن، بالنسبة للمراهنين على استمرار صعود الأسعار، قد تكون هناك مشكلة أكبر وأكثر عمقاً تلوح في الأفق، هذه المشكلة اسمها الصين.
فالصين، أكبر مستهلك للنحاس في العالم، أوضحت عدم استعدادها لدفع أسعار مرتفعة مقابل المعدن الخام كما حدث مطلع العام، حين قفز سعر النحاس لثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن إلى مستوى قياسي بلغ 14527 دولاراً للطن المتري.
الأرقام تعكس هذا الموقف بوضوح. فقد هبط صافي واردات الصين من النحاس المكرر إلى 125350 طناً في فبراير/شباط، وهو أدنى مستوى شهري منذ إبريل/نيسان 2011.
ورغم أن تراجع الطلب عند ارتفاع الأسعار يُعدّ سلوكاً طبيعياً في أسواق السلع الأساسية، فإن ما يحدث في الصين يتجاوز مجرد استجابة سعرية مؤقتة، إذ يكشف عن تحوّل هيكلي يمنح بكين نفوذاً متزايداً على تسعير النحاس عالمياً.
بدأ تباطؤ واردات الصين من النحاس منذ سبتمبر/أيلول الماضي، عندما تجاوز سعر المعدن في بورصة لندن حاجز 10 آلاف دولار للطن وواصل الصعود نحو ذروته في يناير/كانون الثاني.
وخلال أول شهرين من عام 2026، انخفضت الشحنات الواردة إلى 454 ألف طن، بتراجع 25% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
في المقابل، استغلت المصاهر الصينية موجة ارتفاع الأسعار لزيادة صادراتها. فقد قفزت الشحنات الصادرة إلى 172 ألف طن خلال يناير وفبراير، مقارنة مع 49 ألف طن فقط في الفترة ذاتها من العام الماضي.
وبذلك، بلغ صافي ما سحبته الصين من النحاس من بقية العالم 283 ألف طن فقط خلال أول شهرين من السنة، وهو أضعف بداية سنوية منذ عام 2006.
صحيح أن جزءاً من هذه الصادرات، خصوصاً المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة، قد يكون مصدره مخزونات المستودعات الجمركية الصينية، حيث سعى المتداولون إلى سد فجوات الإمداد التي خلّفتها الرسوم الجمركية الأمريكية العام الماضي. لكن اللافت أن النحاس الصيني تدفق أيضاً مباشرة إلى مستودعات بورصة لندن في كوريا الجنوبية وتايوان.
وتظهر تقارير بورصة لندن أن كمية النحاس من العلامات التجارية الصينية المسجّلة على أوامر التسليم ارتفعت من 87475 طناً نهاية ديسمبر/كانون الأول إلى 155600 طن بنهاية فبراير/شباط.
هذا التحوّل التجاري الكبير يفسر إلى حد بعيد لماذا ارتفعت مخزونات بورصة لندن إلى 385275 طناً، متجاوزة ذروة عام 2018، وعودتها إلى مستويات لم تُسجّل منذ 2013.
اللافت للانتباه، أن المخزونات المحلية الصينية من النحاس ارتفعت هذا العام بوتيرة موسمية أكبر من المعتاد، رغم الانخفاض الحاد في الواردات. فعادة ما ترتفع مخزونات بورصة شنغهاي للعقود الآجلة خلال عطلة رأس السنة القمرية، إلا أن الزيادة هذا العام كانت استثنائية.
فقد بلغت المخزونات ذروتها عند 433500 طن مطلع مارس، مقارنة ب268300 طن فقط خلال الفترة نفسها من العام الماضي. أما الرقم القياسي الموسمي السابق فكان 380 ألف طن في عام 2020، عندما تزامنت العطلات مع إغلاقات جائحة كورونا.
ورغم عودة المشترين الصينيين لاحقاً إلى السوق، وانخفاض مخزونات بورصة شنغهاي إلى 301 ألف طن، لكن لا يزال هناك كمية كبيرة من المعادن يجب استهلاكها قبل اللجوء إلى الاستيراد.
ما يمنح الصين هذه القدرة المتزايدة على مقاومة الأسعار المرتفعة هو التوسع المستمر في طاقات الصهر والتكرير المحلية. فوفق تقديرات بنك ماكواري، نما إنتاج الصين من النحاس المكرر بنسبة 9% خلال عام 2025، ما أضاف نحو مليون طن جديد إلى المعروض المحلي.
والأهم أن المصاهر الصينية نجحت باستمرار في التفوق على منافسيها الغربيين في تأمين المواد الخام، رغم ضيق سوق مركزات النحاس عالمياً. فبينما نما الإنتاج العالمي من المناجم بنسبة متواضعة بلغت 1.8% فقط خلال 2025، ارتفعت واردات الصين من مركزات النحاس بنسبة 7.8% خلال الفترة نفسها.
كما زادت واردات النحاس القابل لإعادة التدوير، وهو مصدر تغذية إضافي للمصاهر، بنسبة 4%.
لكن هذا النجاح الصيني جاء على حساب المنتجين الآخرين. فبحسب ماكواري، انكمش إنتاج المصاهر الغربية بنسبة 5.1% خلال 2025.
لم تعد سوق النحاس تتحرك فقط وفق معادلة الطلب العالمي التقليدي أو رهانات المستثمرين على التعافي الاقتصادي، إذ بات هناك لاعب واحد يمتلك قدرة أكبر على إعادة تشكيل التوازنات: الصين.
فبفضل توسعها الإنتاجي، تستطيع بكين اليوم تقليص وارداتها عندما ترتفع الأسعار، وزيادة صادراتها عندما تصبح الأسواق الخارجية أكثر جاذبية. وهذا يمنحها مرونة استثنائية في مقاومة موجات الصعود السعري.
لذلك، حتى إذا هدأت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وعاد المستثمرون للمراهنة بقوة على ارتفاع النحاس، فإن الرهان على استجابة صينية تقليدية قد يكون خاطئاً.
ففي سوق النحاس الجديدة، لم تعد الصين مجرد أكبر مشترٍ... بل أصبحت قوة قادرة على إعادة كتابة قواعد اللعبة نفسها.
* كاتب متخصص في أسواق المعادن الصناعية (رويترز)
أندي هوم*
في الحروب الحديثة، لا تُقاس الكلفة بعدد الصواريخ التي تُطلق فحسب، بل بما تحتويه من معادن نادرة تُستهلك إلى الأبد، فكل صاروخ يُطلق فوق إيران لا ينفجر فقط في هدفه، بل يلتهم معه جزءاً من مخزون الولايات المتحدة من «التنغستن»، ذلك المعدن فائق الصلابة الذي يمنح الذخائر قدرتها على اختراق الدروع والتحصينات تحت الأرض.
وعلى عكس أدوات الحفر المصنوعة من كربيد التنغستن، التي يمكن إعادة تدويرها، فإن التنغستن المستخدم في الذخائر يُستهلك نهائياً عند الانفجار. ومع تزايد وتيرة العمليات العسكرية، من أوكرانيا التي دخلت عامها الخامس إلى التصعيد في إيران، يتضح أن النزيف لا يقتصر على المخزونات العسكرية، بل يمتد إلى الموارد المعدنية التي تجعل هذه الترسانة ممكنة.
لم تكن سوق التنغستن في وضع مريح حتى قبل أن تُشدد الصين قيودها على الصادرات في فبراير 2025، رداً على الرسوم الجمركية الأمريكية، لكن ما كان توتراً أصبح اليوم أزمة حقيقية.
قفزت أسعار «باراتنغستات الأمونيوم»، وهو المنتج الوسيط في تصنيع المعدن، من أقل من 400 دولار للطن المتري قبل عام إلى أكثر من 2200 دولار. هذه القفزة الصاروخية وضعت التنغستن في صدارة السلع الأكثر ارتفاعاً، متفوقاً على النحاس والذهب وحتى النفط.
ووفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، فإن أسعار منتجات التنغستن بلغت أعلى مستوياتها منذ نحو 90 عاماً.
المشكلة الأساسية واضحة، وهي أن الصين تهيمن على نحو 80% من الإنتاج العالمي، وتستخدم هذه الهيمنة كورقة ضغط، كما تفعل بالفعل في سوق العناصر الأرضية النادرة. ومع تطبيق القيود الجديدة، تراجعت صادراتها بنحو 40%.
لكن القيود ليست العامل الوحيد، فقد انخفض الإنتاج الصيني نفسه بنحو 10% في 2025 نتيجة خفض الحصص الحكومية وتشديد الضوابط البيئية على المناجم الصغيرة، وفي الوقت ذاته، يتزايد الطلب المحلي داخل الصين، ما يعني أن الصادرات كانت ستتراجع حتى دون القيود.
في المقابل، تتحسن الإمدادات الغربية، ولكن من قاعدة منخفضة للغاية. إذ ارتفع الإنتاج خارج الصين بنسبة 20% ليصل إلى 19 ألف طن العام الماضي، مدفوعاً خصوصاً بإطلاق منجم «بوغوتي» في كازاخستان، التي تبرز كحلقة محتملة في سلسلة توريد بديلة.
كما وقّعت شركة «كوف كابيتال» الأمريكية اتفاقاً لتطوير مشروع كبير آخر في كازاخستان بدعم يقارب 900 مليون دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، وفي خطوة تعكس القلق المتزايد، سعى البنتاغون للحصول على إمدادات جديدة من 13 معدناً حرجاً، من بينها التنغستن، قبيل بدء الضربات على إيران.
غير أن المشكلة الجوهرية تكمن في عامل الزمن، إذ إن معظم هذه المشاريع لا تزال على بُعد سنوات من الإنتاج الفعلي.
هذا الواقع يمهد لمنافسة محتدمة بين القطاعين العسكري والمدني على الإمدادات المحدودة، ففي العام الماضي، استحوذ قطاع الدفاع على نحو 10% من الطلب العالمي على التنغستن، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع سعي الولايات المتحدة وحلفائها إلى إعادة بناء مخزوناتهم بعد استنزافها في أوكرانيا والشرق الأوسط.
وفي مثل هذا الصراع، لا شك أن المشترين العسكريين سيتفوقون دائماً. لكن الثمن سيدفعه القطاع الصناعي، خصوصاً الصناعات المتقدمة التي تعتمد على التنغستن في أشباه الموصلات، والدوائر الإلكترونية، والألواح الشمسية.
التنغستن ليس سوى مثال واحد ضمن قائمة طويلة من المعادن الحيوية المستخدمة في الأنظمة العسكرية، ورغم أن المعلومات التفصيلية سرية، يُعتقد أن صاروخ «توماهوك» وحده يحتوي على ما يصل إلى 18 معدناً حرجاً، موزعة على أنظمة التوجيه والإلكترونيات والرأس الحربي.
وهنا تتضح معادلة الحرب الحديثة: «حساب الصواريخ هو حساب المعادن»، فكل تصعيد عسكري هو، في جوهره، استنزاف مكثف للموارد الطبيعية.
لكن المفارقة أن معظم هذه المعادن تُنتج اليوم في الصين، ما يضع الغرب أمام معضلة استراتيجية مزدوجة، الحاجة إلى الاستقلال المعدني من جهة، وضيق الوقت من جهة أخرى.
الحرب في إيران لن تفعل سوى تسريع هذا التوجه نحو بناء سلاسل توريد مستقلة، تمتد من التعدين إلى المعالجة ثم التصنيع. غير أن إنشاء هذه المنظومة ليس قراراً سياسياً يُتخذ بين ليلة وضحاها، بل مشروع طويل ومعقد يتطلب سنوات من الاستثمار والتطوير.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل يملك الغرب رفاهية الوقت؟ يبدو أن الإجابة، في ظل هذه التوترات، تميل إلى النفي، فكل صاروخ يُطلق اليوم لا يغيّر فقط معادلات القوة على الأرض، بل يعيد رسم خريطة الموارد في باطنها.
* كاتب متخصص في أسواق المعادن الصناعية (رويترز)
تشهد أسواق المعادن العالمية اختباراً حقيقياً مع تصاعد التوترات المرتبطة بحرب إيران، إذ تكشف هذه الأزمة عن هشاشة متزايدة في إمدادات الألمنيوم إلى الغرب، وهو معدن تصنّفه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضمن المواد الصناعية الاستراتيجية.
فقد قفز سعر الألمنيوم في بورصة لندن للمعادن إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات، مسجلاً 3418 دولاراً للطن المتري، بعدما علّقت شركة قطالوم، أحد أكبر المنتجين في الخليج العربي، تشغيل مصهرها، وإعلان شركة ألومنيوم البحرين حالة القوة القاهرة.
لكن الخطر الأكبر يكمن في احتمال استمرار إغلاق مضيق هرمز، الشريان البحري الذي تمر عبره صادرات منطقة الخليج، والتي تمثل نحو 23% من الإمدادات العالمية خارج الصين. وأي اضطراب إضافي هناك قد يهزّ سوقاً تعاني أصلاً تراجع المخزونات وضعف القدرة الإنتاجية الاحتياطية.
لطالما كان الألومنيوم مُحصّناً ضدّ مثل هذه الانقطاعات غير المتوقعة في الإمدادات بفضل المخزونات الكبيرة والطاقة الإنتاجية الفائضة في مصاهر الصين، حيث كان المنتجون يرفعون معدلات الإنتاج عند أول إشارة لارتفاع الأسعار. غير أن هذا الوضع تغيّر جذرياً.
تُظهر بيانات المخزون اليومية في البورصة أن نحو ألفي طن من الألمنيوم تغادر يومياً مستودعاتها في ميناء كلانج بماليزيا منذ بداية العام. ورغم أن هذه الحركة لم تحظَ باهتمام كبير في الأسواق، فإنها تخفي وراءها تراجعاً مطرداً في المخزون العالمي.
ففي مطلع العقد الحالي، كانت الأسواق تتعامل مع ما يشبه «جبل ألمنيوم» يبلغ نحو ثلاثة ملايين طن. أما اليوم، فقد هبطت المخزونات المسجلة وغير المسجلة إلى نحو 583 ألف طن فقط بنهاية فبراير، وهو أدنى مستوى منذ أن بدأت البورصة نشر بيانات المخزون غير المسجل عام 2020.
المشكلة لا تتوقف عند حجم المخزون فحسب، بل تمتد إلى نوعيته أيضاً. فالألمنيوم الروسي شكّل نحو 58% من المخزون المسجل في نهاية يناير، وهو معدن لم يعد مرغوباً لدى كثير من المشترين الغربيين بعد أن حظرت الولايات المتحدة وبريطانيا استيراده عام 2024 لمنع تمويل الحرب الروسية في أوكرانيا، على أن يلحق به الاتحاد الأوروبي هذا العام. والنتيجة، أن الكمية القابلة للاستخدام فعلياً في السوق الغربية أقل بكثير مما توحي به الأرقام الرسمية. تعكس التحولات في المخزون تغيراً أعمق في هيكل سوق الألمنيوم العالمي. فالمنتجون في الصين باتوا يقتربون من السقف الحكومي للطاقة الإنتاجية، والمحدد بنحو 45 مليون طن سنوياً. ونتيجة لذلك تباطأ نمو الإنتاج الصيني إلى نحو 2%، مع تشغيل المصاهر بمعدل سنوي يقارب 44.5 مليون طن، وفقاً للمعهد الدولي للألمنيوم.
لكن هذا التباطؤ بدأ يغير نمط التجارة العالمية للمعادن، فالصين، أكبر منتج للألمنيوم في العالم، باتت تستورد كميات أكبر من المعدن الخام، خصوصاً من روسيا، حيث بلغت وارداتها مستوى قياسياً عند 2.5 مليون طن العام الماضي، إضافة إلى أكثر من مليون طن من السبائك غير المشغولة.
في المقابل، تراجعت الصادرات من المنتجات نصف المصنعة، مثل الأنابيب والصفائح والرقائق، بنحو 10% في عام 2025، وهو ما يعادل خسارة تقارب 600 ألف طن من الإمدادات في الأسواق الغربية. بعبارة أخرى، الصين تستورد مزيداً من الألمنيوم الخام وتصدر منتجات أقل، ما يضغط على المعروض في الغرب من طرفي السلسلة الإنتاجية.
تكمن المشكلة الأكثر تعقيداً في مصاهر المعادن الغربية، وقدرتها الإنتاجية الأقل مرونة من نظيراتها الصينية. فالإنتاج خارج الصين لم يحقق أي نمو يُذكر العام الماضي، بحسب المعهد الصناعي الدولي للمعادن. ويعود ذلك أساساً إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، وهي عنصر حاسم في عملية الصهر. ورغم وجود طاقة إنتاجية معطلة في العديد من المصاهر الغربية، فإن إعادة تشغيلها تتطلب عقود طاقة طويلة الأجل، وقد باتت نادرة في ظل المنافسة الشديدة مع قطاعات أخرى، خصوصاً مراكز البيانات.
بل إن ارتفاع أسعار الكهرباء ما زال يضغط على المصانع القائمة. فشركة «South32» تخطط حالياً لتعليق تشغيل مصهرها في موزمبيق بعد فشلها في التوصل إلى عقد طاقة مجدٍ اقتصادياً.
الألمنيوم عنصر أساسي في الحياة العصرية، فهو حاضر في كل شيء تقريباً، من المنازل والسيارات إلى تغليف الأغذية والطائرات. والأهم دوره الفاعل في التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. ففي عام 2020 صنّف البنك الدولي الألمنيوم «معدناً عالـي التأثير» و«متعدد الاستخدامات» في معظم تقنيات الطاقة الخضراء الحالية والمستقبلية.
لكن المفارقة أن هذا المعدن الاستراتيجي يدخل اليوم مرحلة جديدة من التقلبات السعرية، مع انتقال السوق العالمية من حالة فائض طويل الأمد إلى وضع تبدو فيه الإمدادات أكثر هشاشة والمخزونات أقل بكثير.
آندي هوم*
انسَ النحاس لوهلة، فنجمُ الصعود الحقيقي حالياً في بورصة لندن للمعادن هو القصدير، الذي حقق مكاسب منذ بداية العام بلغت 41%، متجاوزاً حتى ارتفاع النحاس البالغ 33%.
مديرو الصناديق، الذين لطالما ترددوا في ضخ أموالهم في سوق صغيرة وأحياناً شحيحة السيولة مثل القصدير، تجاوزوا تحفظاتهم هذه المرة، وراكموا مراكز شرائية قياسية على عقود القصدير في بورصة لندن. هذا الاهتمام الاستثماري المتزايد يعكس إدراكاً أوسع بأن الاستخدام الأساسي للقصدير لم يعد علب السردين، بل لوحات الدوائر الإلكترونية، فلا إلكترونيات من دون قصدير.
لكن خلف هذا الصعود تكمن مشكلة هيكلية: الإنتاج المنجمي متركز في عدد محدود من الدول عالية المخاطر التشغيلية، والنتيجة هي سلسلة متواصلة من تهديدات الإمدادات، من تشديد إندونيسيا حملتها على التعدين غير القانوني، إلى تجدد القتال في أقاليم شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الغنية بالقصدير. وما يحتاج إليه هذا المعدن «المنسي» فعلاً ليس مزيداً من الأموال في السوق، بل استثمارات حقيقية لإخراجه من باطن الأرض.
وأضافت صناديق الاستثمار زخماً إلى موجة ارتفاع أسعار القصدير، التي تجاوزت 40 ألف دولار للطن المتري. فقد تضاعفت المراكز الشرائية منذ مايو لتصل إلى 5753 عقداً، أي ما يعادل 28765 طناً من المعدن. وقد يبدو الرقم محدوداً، لكنه يكتسب دلالة أكبر إذا ما قورن بمخزونات بورصة لندن، المسجلة وخارج السجلات، التي لا تتجاوز حالياً 6 آلاف طن.
هذا الحماس المضاربي لم يتشكل بين ليلة وضحاها، فقد بلغ متوسط مشاركة الصناديق في سوق لندن نحو 1800 عقد في عام 2020، بينما ارتفع متوسط العام الجاري إلى 4600 عقد. وبات القصدير يلفت انتباه المستثمرين، حتى إن ظل حجمه متواضعاً مقارنةً بالنحاس.
ليس هذا مقتصراً على لندن، فالمستثمرون الصينيون انضموا بدورهم إلى موجة الصعود، مع قفزة بنحو 60% في حجم العقود المفتوحة على عقد القصدير في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة خلال هذا الشهر.
وتعكس تحديات الإمدادات تحوّلاً تدريجياً في الإنتاج العالمي نحو دول أعلى مخاطرة، مثل الكونغو الديمقراطية ومنطقة «وا» شبه المستقلة في ميانمار، حيث يعود منجم «مان ماو» العملاق ببطء بعد توقف دام عامين. ومع تشديد إندونيسيا حملتها على السوق السوداء، ونقص الوقود في بوليفيا، تمتد مخاطر التعطّل المحتمل إلى أكثر من 40% من إنتاج العام الماضي، وفق الرابطة الدولية للقصدير.
وفوق ذلك، تتقادم المناجم وتنخفض نسب الخام، وتعمل المصاهر في الصين بمعدلات استخدام تقل عن 60%، وأقل من ذلك في إندونيسيا. وإذا لم تتغير الظروف، فإن عجزاً هيكلياً في الإمدادات يبدو حتمياً، بحسب توم لانغستون، كبير محللي استخبارات السوق في الرابطة. والمفارقة أن القصدير لا يعاني نقصاً في الموارد، فالتقديرات تشير إلى احتياطيات عالمية تتجاوز 22.5 مليون طن، تكفي لأكثر من 50 عاماً. كما لا يوجد نقص في طاقة المصاهر، والمشكلة تكمن في الحلقة الوسطى: الاستثمار المنجمي.
وعلى الرغم من ازدياد الاهتمام المضاربي، لم تُبدِ كبريات شركات التعدين العالمية اهتماماً يُذكر منذ عقود. ويهيمن على القطاع مزيج من الشركات الحكومية والتعدين الحِرَفي، خصوصاً في إندونيسيا. ولا يزال التعدين الحِرَفي مسؤولاً عن نحو 40% من الإنتاج العالمي، وكان وراء أبرز الاكتشافات الحديثة في البرازيل وميانمار والكونغو.
وتقدّر الرابطة الدولية للقصدير أن الاستثمارات السنوية المطلوبة لتلبية الطلب المتنامي تبلغ نحو 245 مليون دولار، في حين لا يتجاوز الإنفاق الحالي 100–150 مليون دولار. العقبة الكبرى هي التمويل، إذ لم يستفد القصدير من موجة الاستثمارات التي اجتاحت معادن «العصر الجديد» مثل الليثيوم.
وإلى أن يتحول الزخم المضاربي إلى استثمارات طويلة الأجل في المناجم، سيظل سوق القصدير شديد التقلب، مع عودة متكررة لمخاطر الإمداد إلى الواجهة. فالموجة الحالية قد تكون اندفعت بسرعة أكبر من اللازم، والطلب لا يزال فاتراً ولا يوجد شحّ فوري في المعدن. كما ارتفعت مخزونات بورصة لندن منذ يوليو، واقتربت من مستويات بداية العام، بينما زادت مخزونات شنغهاي إلى 7391 طناً.
قد يواجه المستثمرون الجدد اختباراً على المدى القصير، لكن علاوة مخاطر الإمداد ستبقى حاضرة، وستستمر التدفقات المضاربية في العودة، إلى أن يتقدم مستثمرون طويلو الأجل لمواجهة تحدي القصدير الحقيقي.
* كاتب عمود في «رويترز»
أندي هوم *
في غضون عقد واحد فقط، تحوّلت إندونيسيا إلى أكبر منتج للنيكل في العالم، بفضل التمويل والبناء الصينيين اللذين شكّلا العمود الفقري لنهضتها المعدنية. لكن المفارقة الصارخة اليوم أنّ الصين، التي دفعت بهذا القطاع إلى ذروته، لم تعد متأكدة من حاجتها لكل هذه الكميات، بعدما بدأ المُصنّعون الصينيون للسيارات الكهربائية يبتعدون عن البطاريات المعتمدة على النيكل.
ومع تراجع الطلب، يتجه جزء متزايد من إنتاج إندونيسيا إلى مخازن بورصة لندن للمعادن بدلاً من مصانع بطاريات السيارات الكهربائية. فقد قفزت مخزونات النيكل المكرر عالمياً من 54 ألف طن في يناير 2023 إلى 366 ألف طن، أي ما يعادل 10% من الاستهلاك العالمي. ومع هذا الفائض، هدأت فوضى أسعار النيكل التي بلغت ذروتها خلال أزمة 2022، لتستقر هذا العام عند مستويات متدنية قياسية.
وبينما يواصل قطاع النيكل في إندونيسيا التوسع طمعاً في تعزيز موقع البلاد كقوة في صناعة السيارات الكهربائية، يبدو أنّه راهن بكثافة على معدن لم يعد زبونه الأكبر شغوفاً به كما كان.
في عام 2020، أطلق إيلون ماسك نداء شهيراً للمنتجين: «رجاءً، استخرجوا المزيد من النيكل»، محذّراً من نقص متوقع بفعل الازدهار المرتقب في قطاع بطاريات السيارات الكهربائية. استجابت إندونيسيا، وشركاتها الصينية، سريعاً، فارتفع الإنتاج المحلي من 780 ألف طن عام 2020 إلى 2.3 مليون طن في 2024، ليرتفع نصيب البلاد من السوق العالمية من 30% إلى 70%.
كانت الموجة الأولى من الاستثمار الصيني موجهة لتغذية صناعة الفولاذ المقاوم للصدأ، أكبر مستهلك للنيكل. لكن، بعد حظر تصدير الخام الإندونيسي عام 2020، تحوّلت التجارة إلى «حديد النيكل». أما الموجة الثانية فتركزت على النيكل المخصص للبطاريات، حيث شجّعت إندونيسيا الاستثمار في قدرات المعالجة اللاحقة، وذلك لتحويل الخام إلى مواد تدخل في إنتاج كبريتات النيكل المستخدمة في بطاريات السيارات الكهربائية. لكن الرياح لم تجرِ كما اشتهت جاكرتا. فشركات السيارات الكهربائية الصينية بدأت تعتمد بشكل متسارع على بطاريات «فوسفات الليثيوم والحديد» (LFP)، الأرخص والأكثر أماناً، والتي لم تعد حكراً على السيارات الصغيرة. فقد نجحت شركات مثل «كاتل» في تطوير هذه البطاريات عالية الأداء، وبمدى يصل إلى 758 كيلومتراً وشحن فائق السرعة.
ومع اكتساح هذه البطاريات للسوق الصينية، ثم الأسواق العالمية مع توسع صادرات السيارات الصينية، تراجع الطلب على النيكل في كل سيارة جديدة. ورغم أن الطلب الإجمالي لا يزال ينمو، فإن استهلاك النيكل لكل سيارة جديدة ارتفع في سبتمبر بنسبة 1% فقط مقابل 7% لليثيوم. ومع هذا التحول، بدأ المعالجون الصينيون ينتجون النيكل المكرر، بدلاً من كبريتات النيكل، وتسليمه إلى سوق الملاذ الأخير «بورصة لندن للمعادن» وبكميات ضخمة.
لا يقتصر الأمر على بورصة لندن للمعادن فحسب، بل تسرب فائض المعروض إلى مستودعات بورصة شنغهاي للعقود الآجلة أيضاً. لتسجل المخزونات البالغة 40782 طناً أعلى مستوى لها منذ عام 2018.
ضغط هذا الفائض الضخم على الأسعار لتقترب من كلفة الإنتاج البالغة 15 ألف دولار للطن، فيما هبط السعر في نوفمبر إلى 14330 دولاراً، وهو أدنى مستوى منذ إبريل.
تحاول الحكومة الإندونيسية كبح التوسع الهائل في قطاع النيكل، لكن المستثمرين، ومعظمهم شركات صينية، يواصلون التوسع. ويتوقع بنك «ماكواري» إضافة مليون طن من طاقة المصافي عالية الضغط بحلول 2030، ما يعني استمرار الفائض العالمي لخمس سنوات أخرى على الأقل، فيما تتوقع وكالة الطاقة الدولية ألا يدخل السوق مرحلة عجز المعروض قبل الفترة المذكورة على أقل تقدير.
ومع ذلك، تراهن إندونيسيا على أنّ الطلب سيلحق بالعرض، وأن النيكل سيظل أساسياً في بطاريات المستقبل. وحتى لو حدث ذلك، وهو افتراضٌ كبيرٌ بالنظر إلى معدل التغير في صناعة البطاريات، فإن مشتري النيكل في إندونيسيا سيكونون في الغالب أوروبيين أو أمريكيين، وليسوا صينيين. وهم أكثر اهتماماً بالبصمة البيئية والكربونية من نظرائهم الصينيين، وهي مشكلةٌ لقطاع النيكل الإندونيسي الذي يعمل بالفحم.
* كاتب متخصص في أسواق المعادن الصناعية (رويترز)
أندي هوم*
قبل ثلاث سنوات فقط، كانت بورصة لندن للمعادن تقف على شفا هاوية بعد انهيار عقد النيكل، واهتزّت سمعتها العريقة في أوساط الصناعة العالمية. لكن يبدو اليوم أن هذه المؤسسة التي يبلغ عمرها 148 عاماً قد استعادت عافيتها، بل وأظهرت قدرة استثنائية على التحوّل والنجاة من واحدة من أسوأ أزماتها.
وتدخل البورصة هذا الموسم بزخم قوي. فأحجام التداول ارتفعت مجدداً، بما في ذلك النيكل الذي عاد إلى مستويات ما قبل الأزمة. كما افتتحت مستودعات جديدة في ميناء جدة السعودي وهونغ كونغ، في توسّع يعكس طموحها لاستعادة موقعها كمركز عالمي لتجارة المعادن.
حتى قاعة التداول التقليدية ذات المقاعد الحمراء الشهيرة، والتي كان يُعتقد أنها ستُغلق إلى الأبد، ما زالت تقاوم الزمن بانضمام وسطاء جدد مثل شركة «كلير ستريت» الأمريكية، حيث لا تزال أحداث مارس/آذار 2022 المضطربة تُلقي بظلالها الثقيلة على برنامج الإصلاح الجاري في البورصة وسياسات الإنفاذ الأكثر صرامة.
وأغلقت هيئة السلوك المالي البريطانية ملف أزمة النيكل هذا العام بفرض غرامة مالية ضخمة على البورصة، مع تقرير قاسٍ يشرح بالتفصيل ما حدث من إخفاقات. ورغم الانتقادات، دفعت البورصة ببرنامج شامل لإعادة هيكلة السوق، في مواجهة عداء متوقع من بعض أعضائها. وبعد جولات من الضغط، ستبدأ بتطبيق عتبات التداول الجماعي لتوجيه المزيد من السيولة إلى منصتها الإلكترونية. مع بعض التنازلات لشركاتها الصناعية بشأن التداول الداخلي القصير الأجل.
وفيما يخص محاولات بورصة لندن فرض هذه القواعد على السوق الموازية خارجها، فقد فشلت بسبب المعارضة القوية من جمعيات الوسطاء وشركات العقود الآجلة، لترد البورصة بزيادة الرسوم على ما يُعرف ب «العقود الشبيهة» التي تشهد رواجاً في السوق غير المنظمة. وتسعى البورصة إلى نقل عقود الخيارات من التداول المكتبي إلى المنصات الإلكترونية، في خطوة أخرى نحو تطوير هذا السوق الذي ما زال متواضعاً مقارنة ببورصات أخرى مثل «شنغهاي» و«شيكاغو».
يُذكر أن بورصة شنغهاي لم تبدأ تداول الخيارات إلا عام 2018، لكنها تمتلك اليوم عقوداً سائلة تشمل مختلف المعادن لديها، فيما وسّعت بورصة شيكاغو عقودها الأسبوعية للنحاس. ورغم أن جدول بورصة لندن للتحوّل الإلكتروني ممتد زمنياً، فإن دخول شركات كبرى مثل «أوبتيفر» الهولندية على خط العضوية يمنح المشروع مصداقية قوية.
في غضون ذلك، شدّدت بورصة لندن، تحت رقابة صارمة من هيئة السلوك المالي، قواعدها بشأن الصفقات الضخمة والمراكز المهيمنة، من خلال تمديد قواعد الإقراض لما بعد تاريخ الاستحقاق النقدي إلى أقرب موعد شهري، ما يحدّ من احتمالات احتكار السوق أو تكرار السيناريو الذي تسبب في أزمة النيكل.
ووجّهت البورصة في يونيو/حزيران الماضي بعض المشاركين إلى تقليص مراكزهم الكبيرة بما يتناسب مع مستويات المخزون الفعلية، خصوصاً في أسواق الألمنيوم والنحاس، اللذين تأثرت إمداداتهما بالعقوبات على المعادن الروسية والرسوم الأمريكية على الواردات.
لكن الأزمة الأبرز اليوم تدور حول الألمنيوم، الذي يشهد منذ مايو/أيار الماضي ما يُشبه الضغط المستمر، وسط تساؤلات من هيئة الرقابة نفسها حول حجم المخزون الذي تحتفظ به شركة «ميركوريا» السويسرية. ومع ذلك، يبدو واضحاً أن البورصة أصبحت أكثر حزماً وجرأة في التعامل مع الأسواق المتقلبة.
الخبر السار لإدارة بورصة لندن، هو أن أحجام التداولات اليومية آخذة في الارتفاع. فقد قفزت في المتوسط بنسبة 18% العام الماضي، وارتفعت مجدداً 3% خلال الشهور التسعة الأولى من هذا العام. ومن الطبيعي أن تستثمر البورصة هذه الأرقام كدليل على نجاح إصلاحاتها، وجنيها في الوقت نفسه ثمار اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
فقد أدى تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم على واردات النحاس المكرّر إلى إعادة توجيه المخزونات العالمية نحو الولايات المتحدة، ما عزّز نشاط العقود في بورصة لندن على حساب منافستها «بورصة شيكاغو»، التي تعتمد بشكل أكبر على التمويل.
وبالفعل، ارتفعت أحجام تداول عقود النحاس الآجلة وخياراتها في بورصة لندن للمعادن بنسبة 2.4% على أساس سنوي حتى سبتمبر/أيلول، في حين انخفضت في شيكاغو بنسبة 39% للفترة ذاتها. كما أسهمت زيادة المعروض من الرصاص والنيكل بتدفّق كميات كبيرة إلى مستودعات لندن، لترتفع المخزونات إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، وتنتعش معها عمليات التمويل. وحتى عقد الكوبالت، الذي ظل خاملاً لفترة طويلة، استعاد عافيته وسجل نشاطاً قياسياً بعد دخول 1755 طناً من المعدن إلى مستودعات البورصة.
ومع ذلك، يبقى النحاس، الذي عانى فترة عصيبة مؤخراً، العنوان الأبرز للمرحلة. فبعد تقلبات حادة في 2025، عاد المعدن الصناعي الأصفر إلى موجة الصعود القوية، ولامس سعر عقوده الآجلة لثلاثة أشهر في بورصة لندن مستوى 11000 دولار للطن، مقترباً من قمته التاريخية المسجّلة في مايو/أيار 2024 عند 11104 دولارات. يُقال، إنه حين يعود النحاس إلى المزاج الصافي، فهذا يعني أن بورصة لندن بألف خير. ويبقى الأمل فقط ألا يكون الصباح التالي مؤلماً ليلة طويلة من النشوة المعدنية.
*كاتب متخصص في أسواق المعادن الصناعية «رويترز»