الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عقلنة الخرافة

28 أبريل 2026 00:37 صباحًا | آخر تحديث: 28 أبريل 00:37 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
رغم التطور وامتداد جسور التواصل والاتصال اللحظي بين جنبات العالم والفتوحات العلمية المتصلة بأدق الأمور، فإن الخرافة لا تزال حاكمة لكثير من الموضوعات المطروحة للنقاش بدءاً من السياسة مروراً بالطب والعلوم، وصولاً إلى أبسط الممارسات الاجتماعية.
يثير الاستغراب أن العقل الإنساني، وسط كل موجات التطور، لا يزال غارقاً في التفسيرات الخرافية للأمور، ميّالاً إلى تسييدها على ما سواها، والأمر لا يتعلق دائماً بالراحة إلى ذلك، بل إن هناك توظيفاً لهذا الاتجاه مقصوداً لتسويق أفكار ومواقف.
لا يقنع العقل، حين التعامل مع الأحداث السياسية المتلاحقة، بالتحليل، مهما كانت وجاهته، ولا بالربط المنظم بين المعلومات والأفكار، لاستخلاص قناعة ما، ولا بإمكانية توقع مسارات للأمور بناء على سوابق تاريخية، إنما يرتد، في جاهلية لا تليق بتطورات العصر، إلى النبوءات القاتلة لرموز سياسية أو الراسمة لمستقبل دول أو كيانات، ويستريح إلى ما يرضي أمنياته أو انتماءه، بغض النظر عن مجافاته المنطق أو الحقيقة.
يعاون في ذلك هذه الفوضى السياسية المميزة لمعظم أشكال الأداء في العالم، من أكبر القوى إلى أصغرها، حتى أصبح عدم الاتساق في التصرفات أو التصريحات فضيلة ومدعاة للفخر، وصار الخروج على مقتضيات اللياقة والقواعد ذكاء، وكل ذلك يرسخ في ذهن المتابع العادي أن الشذوذ هو القاعدة، وأن الصخب هو الأنسب لإثبات الذات.
لم يعد العجز عن الفهم هو الدافع الوحيد، كما كان في عصور سابقة، لتبني ما لا يتفق مع الفهم أو المنطق، ولا يجدي التطور والتعلم وسهولة التثبت من المعلومات والتصريحات والآراء في دفع الجموع إلى الاحتكام إلى العقل. ولهذا، تسود السرديات الباطلة المشوهة للحقائق وللعقل الإنساني ذاته الذي أصبح سهل الانقياد لكل خرافي، وحوّل ما يتيسر له من تقنيات وأدوات معينة على الفهم والتمحيص إلى حوامل للتجهيل والاسترزاق.
أصبح من العسير رد العقل إلى رشده، وتحريضه على التمحيص، فيتشبث بأول ما يصل إليه من معلومة أو موقف مُرضٍ لانحيازاته، فيرفع قدر هذا الرمز إلى عليين أو يحط منه، ويعادي هذه الدولة أو تلك بناء على ما ليس فيها وما لم تفعله، أو يضعها في خانة النموذج الأولى بالاقتداء بلا مبرر معقول.
سيادة الخرافة لم تعد فقط سمة، بل إن هناك إصراراً على عقلنتها في ظل تدفق معلوماتي وبصري لا يساعد على نقد ما يحتويه. ولم تعد الخرافة لصيقة فقط بممارسات أو أفكار اجتماعية بسيطة تبقى، رغم أي تقدم، جزءاً من الثقافة الإنسانية، وليس الطير والحيوان هو لسان الخرافات، كما كانت في التراث، فهي تجري على ألسنة بشر، منهم حملة درجات علمية رفيعة أو حظوا بقدر معتبر من التعليم وارتضوا أن يكونوا جزءاً من «لجان»، بلغة وسائل التواصل، للتجهيل المتعمد في السياسة والطب، وفيهم من يقبض الثمن، أو يكون هو نفسه ثمناً للخرافة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه