في لحظات التحوّل الكبرى، لا تقاس قوّة الدول بما تمتلكه من أدوات سياسية أو اقتصادية، بل بقدرتها على صياغة روايتها للعالم؛ ومن هذا المنطلق، جاءت فعالية «مؤثري الخليج» التي حضرتها، لتطرح سؤالاً أكثر عمقاً من مجرّد «دور الإعلام»: من يملك القصة؟ ومن يحدّد كيف تروى؟
لم تكن الفعالية مجرّد تجمع إعلامي، بل بدت وكأنها إعلان صريح بأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، مرحلة لم يعُد فيها الاكتفاء بردّ الفعل كافياً؛ فالعالم اليوم لا ينتظر روايتنا، بل يصنع رواياته عنّا، أحياناً بانتقائية، وأحياناً بتحيّز، وأحياناً أخرى بتجاهل كامل لما تحقق من منجزات.
ما سمعته في الجلسات، لم يكن حواراً تقليدياً، بل كان مواجهة مباشرة مع الذات قبل الآخر، اعتراف ضمني بأن الخلل لم يكن يوماً في غياب الإنجاز، بل في غياب من يقدم هذا الإنجاز بلغة يفهمها العالم؛ فحين نصمت، لا نبقى بلا صوت، بل نمنح الآخرين حق التحدث باسمنا.
الأحداث الأخيرة في المنطقة كشفت بوضوح أن المعركة لم تعُد عسكرية أو سياسية فقط، بل إعلامية بامتياز. فالرواية التي تنتصر ليست دائماً الأكثر دقة، بل الأكثر انتشاراً وتأثيراً، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل نمتلك أدوات التأثير التي توازي وزننا الحقيقي على الأرض؟
لقد طرحت في الفعالية فكرة جوهرية لا يمكن تجاهلها: الصورة الذهنية عن الخليج لم تبنَ في يوم، ولن تتغير في يوم، لكنها في المقابل، لن تتغيّر ما لم نمتلك الجرأة لإعادة صياغتها بأنفسنا، وبطريقة استباقية، لا دفاعية؛ فالدفاع عن الصورة لم يعد كافياً، بل أصبح في كثير من الأحيان اعترافاً متأخراً بأننا خسرنا الجولة الأولى من السّرد.
الأمر الأكثر صراحة، أن بعض الخطابات، حتى من داخل المنطقة، أسهمت في تشويش الصورة بدل تصحيحها، وفي عالم تتضخّم فيه المنصّات الرقمية، وتصنع فيه القصص بسرعة غير مسبوقة، لم يعد مقبولاً أن نكون مجرّد متلقّين أو معلقين، نحن أمام واقع جديد، تصنع فيه الحقيقة أحياناً بقدر ما تُروى.
لكن وسط هذا التحدي، هناك نقطة قوة لا يمكن إنكارها، وهي التماسك الداخلي لدول الخليج، والقدرة على تجاوز الأزمات بثقة، هذا التماسك، إذا وظّف بذكاء إعلامي، يمكن أن يتحول إلى واحدة من أقوى أدوات التأثير الناعم عالمياً.
ما خرجت به من هذه الفعالية هو قناعة واضحة، لسنا أمام أزمة صورة، بل أمام أزمة سرديّة، وفي عالم تحسم فيه كثير من المعارك قبل أن تبدأ، عبر الكلمة والصورة والانطباع،لا يصبح امتلاك السّردية خياراً، بل ضرورة استراتيجية.
