الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عالم بلا مغزى

29 أبريل 2026 00:27 صباحًا | آخر تحديث: 29 أبريل 00:28 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تكاد تتوازى مسيرة التقدم البشري مع صيرورة نزع السحر عن العالم ونفي العنصر الغيبي في تفسير الطبيعة والتاريخ. لقد جرى التخلص أولاً من سحر الخرافة الذي شغل التراث الإنساني بالحديث عن قوى خفية قادرة على التأثير في أقدار البشر، ما أفضى إلى تزييف الحقيقة بالتهويم على عقول الناس، وطمس الحرية بالمخاتلة على إرادتهم حتى فقدوا القدرة على تدبر أكثر الأمور عادية، وخضعوا لأشكال عدة من الوصاية. كان أول الأوصياء هو الساحر نفسه، الذي ادعى قدرته على تفسير التنبؤ بالحوادث والتحكم في حركة الكواكب والأفلاك، وداعب خيال الناس بطقوس سحرية نُسبت إلى الدجل والشعوذة، ولذا مثَّل اختفاء سحر الخرافة معلماً لحركة تقدم العقل الإنساني.
غير أن صيرورة التقدم لم تتوقف عند ذلك الحد، بل استمرت في نزع أشكال السحر الأخرى، خصوصاً سحر الغيب الكامن في الدين برؤيته الروحية للوجود، ووعوده بالخلاص الأخروي. وأيضاً سحر الميتافيزيقيا الكامن في الفلسفات المثالية بما تنشده من غايات سامية كالحق والعدل والخير والجمال. باختفاء هذين المصدرين للسحر تحت ضغط النزعات العلموية القائلة بالحتمية، والفلسفات المادية خصوصاً الجدلية، ولد شعور جامد وبليد بالحياة، ذلك أن الشعور بالحضور الإلهي في الكون، والذي يبث فينا الإحساس بالرهبة إزاء الغيب، هو نفسه الذي يغذّي شعورنا المعنوي بالبهاء والجمال في العالم من حولنا، فمن الحد الإلهي المطلق للقداسة، تتناسل مستويات أدنى تتوزع على الكائنات وتتناثر في الأشياء، لتمنحها بريقاً وألقاً، فإذا ما اختفت تلك الروحانية، صارت كل الأشياء باردة وذابلة، لا روح فيها ولا معنى لها.
لم تتوار الروحانية دفعة واحدة بل تدريجياً، وعبر تحولات عدة. يتمثل أولها في الثورة التجريبية، حيث أفضى المنهج التجريبي إلى تشكيل صورة عن العالم مسكونة بالشك والقلق، ترى أن الصراع هو أساس العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وهو ما فرض نفسه تالياً على العلاقة بين البشر، ما أضعف قدرة الإنسان على التواصل رأسياً/ روحياً مع الإله، وأفقياً/ اجتماعياً مع البشر. أما الثاني، فيتمثل في الثورات الصناعية المتلاحقة. أنتجت الثورة الأولى، نهاية القرن الثامن عشر، الآلة البخارية التي اقتحمت حياة البشر إنتاجاً واستهلاكاً، ودشنت نمط الإنتاج الرأسمالي. وأحالت الثورة الثانية، في النصف الأول للقرن العشرين، نمط الإنتاج الرأسمالي إلى سوق عالمي واسع هيمن على المجتمعات المحلية والأنساق الثقافية الفرعية، صانعاً «مجتمع الاستهلاك» المنبث في هياكل مادية ومدن شاهقة وأسواق مزدحمة صارت تضغط على أجساد البشر وتطحن عظامهم، تدفعهم للدوران في فلك كل ما له قيمة سوقية، والبحث عن الثروة والسلطة، دونما اعتبار بالروابط النفسية كالمشاركة العاطفية والتضامن الوجداني، فبات العالم الحديث مفتقداً لكل ما يروي ظمأ الإنسان للمعنى ويحفزه إلى المشاركة في مجتمع دافئ رحيم. أما التحول الثالث، فأتى في ركاب الثورة التكنولوجية الرقمية (الديجيتال) ليُضيف إلى مجتمع الاستهلاك الواقعي مجتمع الفرجة الافتراضي، الذي يثير شهوة التطلعات ويحفز أوهام الحياة في عوالم خيالية، تتطلب إنفاقاً غير محدود.
في مثل هذا العالم الرقمي، عالم الأتمتة الفائقة، ومجتمع الاستهلاك المجنون، المسكون بالرغبات الحارقة في كل اللذات، صار الإنسان مجرد حلقة في سلسلة مالية، يعلم مصادر دخله ويتصوّر حجم عوائده مسبقاً. فإذا جاءته كاملة، فلن يسعد كثيراً بها، لأنه قام بإنفاقها أو خطط لذلك عبر البطاقات الرقمية الشهيرة، حتى قبل أن يلمس الأوراق المالية، فالعائد هنا مجرد رقم يملأ خانة فارغة. أما إذا أتته ناقصة فسيبدو حانقاً ولو كانت مليونية، لأنه لا يتفاعل مع القيمة الاسمية لتلك العوائد، بل مع حجم التغير فيها، فهذا التغير وحده هو ما يثير شعور إنسان هذا الزمان، حيث هيمنت المعادلات الحسابية على المشاعر التلقائية. ومن ثم يفقد الإنسان إحساسه التلقائي الجميل بمفهوم «الرزق» القديم، ذلك الشعور المبهج الذي يشي بتجدد الحياة.
فضلاً عن ذلك، يتقدم اليوم علما البيوتكنولوجي والذكاء الاصطناعي إلى أفق جديد لم يكن متصوّراً، وتزداد قدرتهما على التحكم التجريبي في الجسد البشري، الأمر الذي ينال من مفهوم الذات الإنسانية، أي من الإنسان ككائن حر متفرد، يسمو على الطبيعة، له سحره الخاص الذي يستعصى على التحليل. يحاول علم البيوتكنولوجي إطالة عمر الإنسان وزيادة قوته أو ذكائه، لكنه يفضي جوهرياً إلى اغتيال جوهره، فأهم سمات الإنسان ليست القوة الجسدية، وإنما السموّ الروحي. إنه ضعيف بدنياً، قصير العمر، لكن عظمته تكمن في إدراكه لحقيقة موته، وفي تعايشه معها، بل واستلهامه منها جل فلسفاته، في محاولته تفسير مغزى وجوده وإسباغ المعنى على غيابه، ففي ذلك الجدل بين الموت والحياة، الحضور والغياب، يكمن سر تسامي الإنسان على سائر المخلوقات، وفي غيابه تضمر جل ملكاته الخلاقة: العقل الخلاق، الضمير الحر، والروح المتمردة، وعندها يصبح كائناً مسطحاً، أبعاده المادية هي كل شيء فيه، أو حيواناً غريزياً جسده الظاهر أهم شيء لديه، ولا معنى خلفه.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه