في الدانة دبي، التي لا تُقاس فعالياتها بعدد الحضور فحسب، بل بقدرتها على جمع ما لا يُجمع عادة. هناك، وعلى يومين متتاليين، بدت دبي كمن يكتب جملتين مختلفتين في المعنى، لكنه يصرّ على أن تلتقيا في النص ذاته؛ «مؤثري الخليج» في يومها الأول، و«قمة المؤثرين» في يومها الثاني، حدثان متباينان في المظهر والجوهر، لكنهما يحملان توقيعاً واحداً: مدينة تعرف كيف تصنع الانسجام من التناقض.
في اليوم الأول، كان «مؤثري الخليج» أقرب إلى صوت داخلي يبحث عن تعريف نفسه. وفي قلبه جاءت جلسة د. أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السموّ رئيس الدولة، لا بوصفها عرضاً سياسياً، بل كتمرين هادئ على فهم ما جرى في الإقليم. قدّم قرقاش رؤية تكاملية، بلغة السهل الممتنع؛ حيث تختبئ التعقيدات خلف وضوح محسوب.
جلسة كانت أقرب إلى مدرسة فكرية سياسية غير مسبوقة، لا تُلقي الأفكار بقدر ما تُدرب على التقاطها، وترافقت مع العديد من الجلسات القيمة التي حافظت على هذا المستوى من الطرح.
ورغم هذه الروح المثالية، برزت ملاحظة لا تنتقص من التجربة بقدر ما تدفعها للأمام، في الأحاديث الجانبية، حملت الأصوات الخليجية شيئاً من الشك: هل يمكن حقاً أن نكتب سردية واحدة؟
هنا يتجلّى التحدي في صورته الأوضح، لا كغياب لإجابة، بل كفجوة بين صورتين: كيف نرى أنفسنا؟ وكيف يرانا العالم؟ الإشكالية الحقيقية ليست أن العالم يعجز عن جمعنا في إطار واحد، بل العكس تماماً؛ هو يفعل ذلك بسهولة لافتة، بينما نحن نتردد.
العالم يختصرنا في كلمة «الخليج»، بينما نُصرّ نحن على تفكيكها إلى ما لا نهاية. هنا لا يعود السؤال: هل يمكن بناء سردية مشتركة؟ بل: لماذا نتردد في تبني سردية يفرضها الواقع قبل الخطاب؟ كيف نقبل بأن نُعامل كوحدة في الخارج، ثم نرفض أن نُفكّر كوحدة في الداخل؟ تلك ليست فجوة في السياسة، بل في الوعي ذاته.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذا الحدث إلا بوصفه بداية، لا نتيجة؛ فالمشاريع الكبرى لا تولد مكتملة، بل تتشكل عبر محاولات. وما فعلته دبي هنا، ليس جمع مؤثرين فحسب، بل اختبار إمكانية الجمع ذاته. وهذا، بحدّ ذاته، فعل سياسي وثقافي ناعم، يتجاوز المنصة إلى ما بعدها.
ربما لم تكن الصورة مكتملة، لكنها كانت ضرورية. وربما لم توحد السردية بعد، لكنها وُضعت على الطاولة. وفي مدينة اعتادت أن تسبق زمنها، لا يبدو هذا التباين خللاً، بل مرحلة أولى في طريق أطول.
