ربما يبدو صحيحاً القول إن النساء في مجتمعاتنا أكثر ميلاً إلى الإصغاء مقارنة بالرجال، بحكم التربية الاجتماعية التي اعتادتها بيئتنا الأميَل إلى منح الرجال «سلطات» أكبر، بما فيها سلطة الكلام، لكن يظهر أن هذه ليست سمة المجتمعات الشرقية وحدها. ها هي دراسة من بلد أوروبي متطوّر، هو ألمانيا، نشر موقع «دي. دبليو» تقريراً عنها، تشير إلى أن أعضاء البرلمان الرجال في ولاية بادن- فورتمبرغ، حيث تلقى يومياً عشرات الخطابات، يبدون إصغاء أقل عندما تكون المتحدثة امرأة، وعلى العكس تظهر عضوات البرلمان النساء استعداداً أكبر للإصغاء إلى زملائهن الرجال، فلا يتحدد «مقدار الإصغاء بمحتوى الخطاب أو توقيته فقط، بل يتأثر أيضاً بجنس المتحدث»، وعلى الرغم من أن الدراسة اقتصرت على ولاية واحدة، لكنها قد تقدّم مؤشراً على حالٍ عامة هناك.
سيكون تبسيطاً التسليم بأن الإصغاء صفة نسائية خالصة، وأن الرجال عاجزون عنه، فمن باب نبذ التعميم وجب القول: ليس كل النساء مُنصتات جيّدات، وليس كل الرجال أقلّ قدرة على الإصغاء، لكن المجتمعات صنعت، عبر قرون، توزيعاً غير متكافئ لهذه المهارة، بتشجيع النساء أكثر على الإصغاء. وبعيداً عن التقسيم الجندري بين النساء والرجال، فإن الإصغاء الحقيقي فعل أكثر تعقيداً، يعني أن نمنح الآخر وقتاً وانتباهاً، ييسّران لكلماته أن تعبر إلينا قبل أن نحاكمها. إنه مهارة تُكتسب، وتُهذّب بالممارسة والوعي، وفضيلة إنسانية قابلة للتعلّم والتطوير لدى الجميع، ولأن أغلبية الناس يريدون أن يتكلموا، يكاد الإصغاء أن يُغيّب، فلا بأس لو استعدنا النصيحة المنسوبة إلى الشاعر المهجري إيليا أبوماضي القائلة: «إن بعض القول فنٌ...فاجعل الإصغاء فنا»، وانتبهوا إلى أنه قال: «بعض القول»، وليس كله.
الإصغاء المنشود لا يكون إلى من يجاورونا في الحياة فقط، وإنما إلى ذواتنا أيضاً، ففي ذات كل منّا يوجد شخص آخر. حين نفكّر، فإننا نحاور هذا الآخر داخلنا، الذي قد يمنحنا دفعة من الحماس، أو حتى التهوّر، وقد يحدّ من جموحنا واندفاعة خطانا.
إصغاؤنا إلى ذواتنا يشبه وقفات «سدرهارتا» بطل هرمان هيتسه في الرواية التي تحمل الاسم نفسه، أمام ذاته، ما جعله رقيباً يقظاً عليها، ليلاحظ أنه في غفلة من الزمن ربما عاش الحياة من دون أن ينتمي إليها، وأكثر من ذلك يُذكّرنا الإصغاء بحكمة يابانية تقول: «من يُرهف السمع يسمع أصواتاً لا صوت لها».
