في كل صف دراسي هنالك طلاب يحملون أسئلة لكنهم لا يطرحونها. يجلسون في مقاعدهم وفي أذهانهم استفسار واضح، لكن شيئاً ما يمنعهم من رفع أيديهم. قد يكون الخوف من أن يبدو السؤال ساذجاً أمام الزملاء، أو القلق من أن يعتقد المعلم أنهم لم ينتبهوا جيداً، أو ببساطة إحساس بأن الجميع حولهم فهم، فيما هم وحدهم لم يفهموا. فيختار الطالب أن يصمت ويكتفي بما فهمه، ظناً منه أن الاكتفاء بالاحتفاظ بالسؤال لنفسه قد يكون أفضل من مواجهة المجهول والتحدث بصوت مسموع. لكن هذه التساؤلات قد تبقى في ذهن الطالب أو السائل، ولا يحصل على الإجابة بسهولة، والسؤال الذي لم يُسأل في لحظته يتحول إلى فجوة صغيرة في المعرفة تبقى معه.
هذه العادة لا تنتهي مع انتهاء المدرسة، بل تتحول إلى نمط يلازم البعض في حياته. في اجتماع عمل قد يكون هنالك من لم يفهم نقطة مهمة، لكنه يخشى أن يسأل فيظهر أنه غير فاهم. وفي دورة تدريبية قد يبقى البعض صامتاً خوفاً من أن يبدو أقل اطلاعاً من غيره. وفي تعامل يومي مع جهاز جديد أو برنامج أو مهمة، يختار البعض أن يحاول وحده بدل أن يطلب توضيحاً من شخص يعرف أكثر.
من يختر الصمت، يفُته ما هو أكثر بكثير من مجرد إجابة عن سؤاله. السؤال حين يُطرح يفتح باباً لنقاش قد يستفيد منه غيره أيضاً، ويظهر لمن حوله أن صاحبه يفكر ويتابع ويريد أن يفهم. أما من يصمت دائماً حفاظاً على صورته، فهو يربح لحظة راحة مؤقتة ويخسر فرص تعلم متكررة. ومع مرور الوقت تتراكم هذه الخسائر الصغيرة حتى تصبح فرقاً حقيقياً بينه وبين من يسأل.
قد نلاحظ أن السؤال الذي يبدو ساذجاً في نظر صاحبه كثيراً ما يكون هو السؤال الذي يدور في أذهان عدد من الحاضرين في الكثير من الأحيان. من يسأل أولاً لا يكشف جهلاً، بل يكسر حاجز صمت كان يمنع غيره أيضاً من التعلم، فهو أحياناً يكون نوعاً من الثقة بالنفس والشجاعة.
هذه الأمور كلها تستحق أن تجعلنا نعيد التفكير في طريقة تعاطينا مع تساؤلاتنا، وأن نفهم أنها ليست ضعفاً، بل قد تكون أحياناً طريقاً للمعرفة والتعلم. أما من يستمر بالتراجع عن السؤال ومن يستمر ببناء حواجز للتعلم، فسيظل يخفي ما لا يعرفه طوال حياته، ويخسر في الطريق فرصاً كانت ستضيف له الكثير.
