الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

منظومة عقارية أكثر مرونة في أبوظبي

3 مايو 2026 20:57 مساء | آخر تحديث: 3 مايو 20:59 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
يشهد القطاع العقاري في إمارة أبوظبي تطورًا تشريعيًا متسارعًا يعكس رؤية استراتيجية واضحة تهدف إلى تعزيز جاذبية البيئة الاستثمارية وترسيخ مبادئ الشفافية والثقة بين مختلف الأطراف. وفي هذا الإطار، صدرت حزمة من القرارات التنظيمية المهمة، شملت القرار الإداري رقم (24) لسنة 2025 بشأن آلية وضوابط الصرف من حساب ضمان المشروع قبل إنجاز نسبة (20%) من المشروع، والقرار الإداري رقم (25) لسنة 2025 بشأن تنظيم ملكية وضوابط الانتفاع وإدارة العقارات والأجزاء والمرافق المشتركة في إمارة أبوظبي، وأيضاً القرار الإداري رقم (26) لسنة 2025 بشأن اعتماد النظام الداخلي للجان الملاك في إمارة أبوظبي، بالإضافة إلى القرار الإداري رقم (165) لسنة 2025 بشأن تحديد نسب وإجراءات ومدد إرجاع المبالغ إلى المشترين في الوحدات التي يتم شطبها وإعادة بيعها بموجب المادة (17/3) من القانون رقم (3) لسنة 2015 بشأن تنظيم القطاع العقاري في إمارة أبوظبي لتشكل مجتمعة محطة مهمة في مسار تحديث المنظومة التنظيمية للعقار في الإمارة.
ويُلاحظ أن هذه القرارات لم تأتِ بمعزل عن بعضها، بل جاءت كمنظومة مترابطة تعالج مختلف مراحل العلاقة العقارية، بدءًا من تطوير المشاريع وإدارتها المالية، مرورًا بتنظيم الملكية المشتركة، ووصولًا إلى معالجة الحالات الاستثنائية المرتبطة بإلغاء الوحدات وإعادة بيعها، وهو ما يعكس نضجًا تشريعيًا واضحًا وانتقالًا نحو تنظيم أكثر شمولية وفعالية.
وفي هذا الإطار، لطالما شكّل حساب الضمان إحدى أهم الركائز التي يقوم عليها تنظيم مشاريع البيع على الخارطة، حيث وفر على مدى السنوات الماضية مستوى عالياً من الحماية للمستثمرين، من خلال ربط الصرف بنسبة الإنجاز الفعلي للمشروع. غير أن التطور الذي جاء به القرار رقم (24) لسنة 2025 يعكس انتقالًا مدروسًا من نموذج تقليدي قائم على التقييد إلى نموذج أكثر مرونة قائم على الضمانات من خلال السماح بالصرف قبل بلوغ نسبة الإنجاز المحددة، شريطة تقديم ضمان بنكي غير مشروط لا يقل عن 20% من تكلفة المشروع، دون الإخلال بجوهر الحماية القانونية.
وفي المقابل، جاءت القرارات المنظمة للملكية المشتركة وإدارة العقارات، ولا سيما القرارين (25) و(26)، لتؤسس لبيئة تشغيلية أكثر وضوحًا واستقرارًا، من خلال تحديد قواعد الانتفاع والإدارة، وتنظيم عمل لجان الملاك واعتماد أطرها الداخلية، بما يحد من النزاعات ويعزز كفاءة إدارة الأصول العقارية بعد التسليم، وهو عنصر جوهري لاستدامة القيمة العقارية على المدى الطويل.
أما القرار الإداري رقم (165) لسنة 2025، فيمثل حلقة تنظيمية مهمة في معالجة الحالات اللاحقة على التطوير، حيث وضع ضوابط دقيقة لإرجاع المبالغ إلى المشترين في حال شطب الوحدات وإعادة بيعها، بما يضمن تحقيق العدالة التعاقدية، وتنظيم التدفقات المالية في الحالات الاستثنائية، ومنع أي إشكاليات قد تنشأ عن إعادة تدوير الوحدات العقارية داخل السوق. ويعكس هذا القرار حرصًا واضحًا على تعزيز الثقة في التعاملات العقارية حتى في أكثر السيناريوهات تعقيدًا.
إن أهمية هذه الحزمة التشريعية تكمن في كونها لا تعالج كل قرار على حدة، بل تؤسس لمنظومة متكاملة تحقق توازنًا دقيقًا بين مرونة التطوير العقاري من جهة، وحماية حقوق المستثمرين والملاك من جهة أخرى. فهي تمنح المطورين أدوات أكثر كفاءة لإدارة السيولة وتسريع التنفيذ، وفي الوقت ذاته تعزز من مستويات الرقابة والشفافية وحماية حقوق الأطراف المتعاملة.
وإذا ما نظرنا إلى هذه القرارات ضمن السياق الأوسع للاقتصاد الوطني، فإننا ندرك أنها تتجاوز كونها تنظيمةً إجرائيةً تصبح جزءًا من رؤية اقتصادية شاملة. فالقطاع العقاري في دولة الإمارات لا يمثل نشاطًا مستقلاً، بل يشكل ركيزة أساسية تتقاطع معها العديد من القطاعات الحيوية، بدءًا من البناء والتشييد، مرورًا بسلاسل التوريد والصناعات المرتبطة، ووصولًا إلى السياحة والضيافة والخدمات المالية. وبالتالي، فإن أي تطوير تشريعي في هذا القطاع ينعكس بشكل مباشر على منظومة اقتصادية متكاملة.
كما تحمل القرارات في طياتها رسالة واضحة إلى الأسواق العالمية مفادها أن أبوظبي ماضية في تطوير بيئتها الاستثمارية وفق أفضل الممارسات الدولية، وأنها قادرة على تحقيق التوازن بين المرونة التنظيمية والرقابة الفعالة. وهو ما يعزز من مكانتها كوجهة آمنة وجاذبة للاستثمار، خصوصًا في ظل المنافسة الإقليمية والعالمية المتزايدة.
وفي المحصلة، يمكن القول إن القرارات الإدارية الصادرة مؤخرًا تمثل خطوة متقدمة في مسيرة تطوير القطاع العقاري، حيث تجسد نضجًا تشريعيًا يعكس فهمًا عميقًا لمتطلبات السوق وتحدياته. وهو ما يؤكد أن دولة الإمارات، وفي مقدمتها إمارة أبوظبي، لا تكتفي بمواكبة التطورات، بل تسعى إلى استباقها وصياغة نماذج تنظيمية مبتكرة تعزز الثقة وتدعم الاستدامة الاقتصادية.
* مستشار قانوني
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه