اعتُبر البحث العلمي من أهم الأنشطة الإنسانية التي تقوم على اعتماد مناهج وضوابط محددة بهدف التوصل إلى نتائج دقيقة، تسهم في حل مشكلات وقضايا المجتمعات. وتمثل الجامعات والمؤسسات البحثية فضاءات لتسليح الطلاب والباحثين بالمنهجية العلمية، وبأصول البحث وأخلاقياته، والتي تكفل ركوب غمار الكتابة والبحث بقدر من الموضوعية، والكفاءة، والثقة.
وفي هذا الإطار، تستأثر أخلاقيات البحث العلمي بقدر كبير من الأهمية، وهي تقوم على مجموعة من القيم والمبادئ الإنسانية التي ينبغي على الباحث التحلي بها، بما يعزز مصداقية وموضوعية البحث العلمي ويدعم جودته.
ويُعد احترام ضوابط الأمانة العلمية من ضمن أهم المظاهر المجسّدة لأخلاقيات البحث العلمي، وتحيل إلى الإشارة إلى مصدر المفاهيم، والإحصاءات، والمعطيات المعتمدة، ثم الالتزام بطرح النتائج والخلاصات المتوصل إليها، من دون زيادة أو نقصان.
وتمثل طفرة الذكاء الاصطناعي محطة مفصلية في مسارات البحث العلمي، ففي الوقت الذي توفر فيه إمكانات وفرصاً واعدة لتطوير العلوم وتسريع عمليات البحث، فإنها تضعه أيضاً أمام محك يهدّد مقومات الأمانة العلمية.
فمن جهة أولى، يتيح الذكاء الاصطناعي الاستفادة من التطورات التقنية الكفيلة بتسهيل عمليات البحث، خصوصاً في ما يتعلق بتطوير مناهج البحث، وتسريع عمليات جمع وتصنيف المعلومات والإحصاءات، وتحويلهما إلى رسوم بيانية وخرائط وجداول، إضافة إلى المساعدة في تعزيز البحوث الاستشرافية من خلال تحليل هذه المعطيات، والتنبؤ بمآلات الأوضاع والظواهر المختلفة، علاوة على توفير محركات ذكية للترجمة تتيح وصول الباحثين من مختلف الجنسيات إلى المعلومات، بغضّ الظر عن إتقانهم للغات أخرى.
كما يتيح تدقيق المعلومات وكشف التناقضات الواردة بشأنها، كما يمكن لتوظيفه بشكل دقيق ومحسوب أن يحدّ من الهفوات المنهجية والموضوعية التي يمكن للباحث أن يسقط فيها.
وتشير الكثير من الدراسات إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم من خلال عدد من التطبيقات الإلكترونية في كشف السرقات العلمية، إلا أن النتائج المحصلة في هذا الصدد تظل نسبية، إلى حد ما، ما يجعل باب لجوء البعض إلى ارتكاب هذه السرقات متاحاً.
أما من جهة أخرى، فقد فتح الذكاء الاصطناعي الباب مشرعاً أمام تهديد أخلاقيات البحث العلمي، بخاصة في ما يتعلق بالمسّ بمتطلبات الأمانة العلمية، فقد شجع البعض على اقتراف السرقات والاحتيال العلميين، عبر انتحال الأفكار التي يولدها هذا الذكاء، الاستناد إلى مراجع وهمية، كما أسهم في تسطيح البحث العلمي، وإفراغه من بُعده الإنساني والاجتماعي وما يتصل بهما من نقد وإبداع، بناء على الاعتماد المبالغ فيه على التكنولوجيا الحديثة، كما أن النتائج العلمية المبنية على الذكاء الاصطناعي ومعطياته غالباً ما تتأثر بطبيعة المحتويات الرقمية التي تجسد رؤى محددة تجاه مختلف القضايا، الاجتماعية والاقتصادية والتقنية، بما يفقدها قدراً من الموضوعية التي تمثل الزاوية الأساسية للبحث العلمي.
إن الثقة العمياء بالبينات والمعطيات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي تضع الباحث أمام مسؤوليات أخلاقية وقانونية في حال ثبوت عدم صحة هذه المعطيات، كما يحول دون الاطلاع على المضامين العميقة للمراجع التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم تقارير ملخصة بشأنها، إضافة إلى قتل المهارات الفردية المرتبطة بالنقد والتحليل والتوقّع.
إن توجيه الذكاء الاصطناعي بما يخدم البحث العلمي ويدعم مصداقيته ويحدّ من سبل توظيفه بصور احتيالية، هي مسؤولية جماعية، تتوقف في جزء كبير منها على اتخاذ مجموعة من التدابير الي تتمحور حول توخي الباحث واستحضاره لشروط أخلاقيات البحث العلمي، في علاقة ذلك، باحترام الضوابط العلمية، عبر الحرص على توخي الدقة، والإشارة إلى مصادر المعلومات والمفاهيم المعتمدة، ثم الإشارة، بدقة، إلى كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي في عملية البحث، واحترام الخصوصية، وتوخي الموضوعية في مقاربة مختلف الإشكالات والمواضيع، إضافة إلى الالتزام بالمسؤولية إزاء الأخطاء المحتمل ارتكابها، وعدم إلصاقها بالتكنولوجيا.
لا شك في أن الذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً مهمة في مختلف المجالات، ومن ضمنها البحث العلمي، غير أن استعماله بلا رقيب، أو وازع أخلاقي، أو ضوابط قانونية، أو بشكل مبالغ فيه، يمكن أن يلغي عقل الإنسان، ويتحول بذلك من وسيلة إلى بديل، ويفضي إلى كوارث حقيقية.
