الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لماذا تعاني الجوع العاطفي؟

3 مايو 2026 00:33 صباحًا | آخر تحديث: 3 مايو 00:34 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
كما هو واضح وماثل في حياتنا اليومية، نحن نعيش في عصر الاتصال الفائق والذكي والمتطور، ومع هذا الوضع المذهل وغير المسبوق في تاريخ البشرية، هناك معاناة حقيقية في التواصل. يقودنا هذا الجانب نحو نقطة محورية بالغة الأهمية، وهي الفرق الجسيم بين «الاتصال» من جانب، و«التواصل» من جانب آخر، ورغم الخلط الواسع بينهما، فإن الدارسين في مجالات العلوم الإنسانية، كعلمي النفس والاجتماع، يدركون الفرق الجوهري، ففي علم الاجتماع واللسانيات، يُنظر إلى الاتصال بوصفه «عملية نقل»، بينما التواصل «عملية تفاعل».
في عصرنا التقني، يُعتبر الاتصال هو الجانب المادي، وكأنه أنبوب تمر عبره البيانات، ففي العالم الرقمي جميعنا «متصلون» بالإنترنت، وبالتبعية «متصلون» بالأصدقاء عبر التطبيقات، بينما التواصل عملية تتطلب إرسالاً واستقبالاً ومشاركة، ولا يكون الاتصال صحيحاً ومكتملاً إلا بحدوث الأثر والنتيجة، سواء عبر السلوك أو المشاعر.
قد نجد شخصين يعيشان في منزل واحد، وهذا يسمى «اتصالاً مكانياً»، لكنهما يعيشان دون تفاعل، وبالتالي يفتقدان للتواصل، وهنا يصح القول إن ما حدث بينهما هو مجرد «تقاطع في المكان»، لم ينتج عنه أي معرفة أو تفاعل وجداني.
ومن واقعنا الحياتي، معظمنا يملك قائمة «اتصالات» على هاتفه الذكي تضم مئات الأرقام، لكننا في الحقيقة لا «نتواصل» إلا مع القلة القليلة جداً، والبعض لا يتجاوز من يتواصل معهم أصابع اليد الواحدة. لذا، أعتبر أن الاتصال جانب عفوّي بسيط نعيش في وسطه، لكن الصعوبة تكمن في التواصل، لأنه يتطلب الانتباه، والشعور، والعاطفة، والاهتمام، وبناء جسور التلاقي، ومنح الطرف الآخر الحضور التام، على أن تكون هذه العوامل متبادلة بين الطرفين.
إن ما يحدث اليوم هو أن البعض يعتقد أنه على «تواصل» مع الكثيرين، لكنه في الحقيقة في حالة «اتصال» فقط، وهو ما تجسده مواقع التواصل الاجتماعي: علاقات رقمية جامدة، مجردة من لغة الجسد ونبرة الصوت والتفاعل الحي، مما يضع العقل البشري في حالة تشبه «الجوع العاطفي»، مهما تعددت «الإعجابات».
الخلاصة: جميعنا في حالة اتصال، ولكن لسنا جميعنا في حالة تواصل، وهذه هي المعضلة الجسيمة التي يعانيها إنسان العصر الحديث.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه