الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الشخصية المركبة

5 مايو 2026 00:48 صباحًا | آخر تحديث: 5 مايو 00:49 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في كل رواية تبقى في الذاكرة، نجد أن السبب الحقيقي يعود للشخصية محور السرد والحبكة، فالشخصية هي البوابة التي يعبر منها القارئ إلى العالم المتخيل، والشخصية العميقة المركبة من طبقات نفسية واجتماعية، تتجاوز دورها كحامل للأحداث أو «أداة للسرد»، لتصبح شخصية حية في ذهنية القارئ حافلة بالتناقض، تحمل في داخلها صراعات تتجاوز حدود الورق لتلامس وعينا نحن القراء، وهذه هي الشخصية التي كانت وما زالت سر الأثر الذي يتركه فينا هذا الأدب العظيم.
تجمع الشخصية الروائية في داخلها بين العاطفة والعقل، بين الخير والشر، وبين الشك واليقين، في توازن دقيق يجعلها شبيهة بالإنسان الحقيقي فيتفاعل معها القارئ بشدة، وتكون ذات أثر ما بعد الحكاية، وهنا أشير إلى وصف الناقد البريطاني فورستر في كتابه «جوانب الرواية» حول هذا النمط من الشخصيات بأنها (تتطور في مجرى التفاصيل مثلما يتطور الإنسان في الحياة الفعلية)، فهي متعددة الأبعاد تنكشف طبقاتها شيئاً فشيئاً مع الأحداث.
في الأدب العربي الحديث، نجد ملامح «الشخصية المركبة» في أعمال روائية متعددة، مثل رواية «ساق البامبو» لسعود السنوسي، فشخصية عيسى هي تجسيد للتمزق بين الهويتين، بين الأصل والانتماء المفقود، في صراع داخلي يلامس القارئ العربي المعاصر مباشرة، كما نجد أيضاً شخصيات مركبة في روايات، نجيب محفوظ وإلياس خوري وصنع الله إبراهيم وغسان كنفاني والكثير غيرهم، حيث نقلوا الشخصية العربية من النموذج التقليدي إلى الشخصية الجدلية.
وبذلك نرى أن تأثير الشخصية المركبة على القارئ ينبع من كونها تقنعه بأنها ليست شخصية مصطنعة، فالقارئ بطبيعة الحال يتفاعل مع ما يحدث في مجريات الرواية، ويعيش التوتر والصراع معها، وحين نقرأ رواية بمستوى سردي رفيع وبشخصيات بأبعاد نفسية متعددة، فإننا لا نكتفي بملاحظتها تسقط في مأساة اجتماعية، لكننا نكون فعلياً نراقب حالتها النفسية بتعاطف وخوف في آنٍ واحد، وهذه القدرة على تحريك المشاعر المعقدة هي ما يمنح الشخصية «عمراً أدبياً» أطول من زمن الرواية نفسها.
ربما تميل بعض الكتابات التجارية اليوم إلى تقديم شخصيات نمطية تختزل الخير في بطل والشر في آخر، وهنا يمكن الفرق، فإن الرواية الجادة الخالدة تقاوم هذا التبسيط، وتدرك أن الإنسان كائن حي مركب من مجموعة من التناقضات، ولذلك فكل شخصية تقنعنا بإنسانيتها مهما كان سلوكها تثير فينا أثراً لا يمحى، في تجربة إنسانية كاملة، تكون بمثابة مرآة يرى القارئ فيها نفسه في حالات متعددة، هذا العمق السردي في بناء الشخصية هو السر الدفين وراء خلود الرواية في الذاكرة الأدبية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه