الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الدول الشقيقة في ميزان المواقف

5 مايو 2026 00:59 صباحًا | آخر تحديث: 5 مايو 01:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم يعد مصطلح «الدولة الشقيقة» في الخطاب السياسي الإماراتي وصفاً عاطفياً تقليدياً، أو امتداداً آليّاً لرابطة اللغة والجوار والدين، بل أصبح مفهوماً سيادياً أكثر اتساعاً، يربط الأخوّة بالفعل السياسي المسؤول، وبالموقف الواضح ساعة الاختبار، وبالالتزام المشترك بالقانون الدولي، وحماية الاستقرار. وفي العلاقات الدولية، لا تُقاس قوة الروابط بما يقال في المناسبات فقط، بل بما يترجم إلى دعم، وتنسيق، وشراكة، واحترام متبادل عند الأزمات.
تقليدياً، ارتبطت عبارة الدول الشقيقة في المجال العربي بروابط قومية وتاريخية وإنسانية عميقة. وهذه الروابط باقية في مكانها، ولا تنتقص منها أيّ قراءة جديدة. فالإمارات نشأت وهي تؤمن بأن محيطها، الخليجي والعربي، هو امتداد طبيعي لأمنها، وهويتها، ومصالحها. لذلك ظلت العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، وسواها من الدول العربية، قائمة على معنى أصيل للأخوّة، يتجاوز البروتوكول إلى وحدة المصير والتضامن في الشدائد.
غير أن المصطلح في العلاقات الدولية أوسع من دلالته اللغوية. ففكرة العلاقات الشقيقة، كما تظهر في تجارب الدول عبر التاريخ، تقوم على بناء روابط طويلة المدى بين المجتمعات والمؤسسات، وتبادل الخبرات، التعليمية والثقافية والاقتصادية، وتعميق الاتصال بين الشعوب. لذلك، فإن «الشقيقة» في القراءة السياسية الحديثة ليست صفة نسب، بل صيغة ثقة. هي دولة تفتح قنوات تعاون منتظمة، وتحترم المصالح المتبادلة، وتتعامل مع أمن الشريك بوصفه جزءاً من أمن أوسع.
لكن التجربة الإماراتية أضافت إلى هذا المفهوم بعداً معاصراً. فالدولة الشقيقة لم تعُد بالضرورة هي الدولة التي تشترك معنا في اللسان وحده، بل هي أيضاً الدولة التي تتقاطع معنا في القيم الكبرى: احترام السيادة، رفض الاعتداء، صون المدنيين، تغليب الحوار، حماية الاقتصاد العالمي، وبناء التنمية المستدامة. بهذا المعنى تصبح الأخوّة علاقة مسؤولية لا علاقة مجاملة، وموقفاً عملياً لا وصفاً إنشائياً.
وقد ظهر هذا الاتجاه بوضوح خلال مرحلة الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دولة الإمارات العربية المتحدة، وعدداً من دول المنطقة. ففي تلك اللحظة، تكشفت خريطة الأشقاء الحقيقيين: دول عربية وقفت بموقف موحد يدين الاعتداء ويدعم حق الدولة في حماية سيادتها وأمنها، ودول صديقة من خارج الإقليم أعلنت تضامنها، ورفضت المساس بأمن الإمارات، ودعت إلى وقف التصعيد والعودة إلى المسار السياسي. هنا أعادت الإمارات توصيف المفهوم بهدوء وحكمة: الشقيق هو من يقف معك دفاعاً عن القانون، لا من يكتفي بالعبارة الدبلوماسية.
هذه القراءة لا تدفع نحو الاستقطاب، بل نحو ضبط معايير العلاقات. فالإمارات لا تبني سياستها الخارجية على الانفعال، وإنما على مبادئ ثابتة أرساها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، وتستمر قيادتنا الرشيدة في اتباعها، وفي مقدمتها العدالة، وحسن الجوار، وعدم التدخل، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، ودعم المؤسسات الدولية. لذلك جاء الموقف الإماراتي في الأزمة متوازناً: صلابة في حماية السيادة، وحكمة في الدعوة إلى الحوار، وحرص على أمن جميع المقيمين والزائرين، على أرض الدولة.
من هنا تتضح دلالة التوسيع الإماراتي لمفهوم «الدول الشقيقة». فهو ليس تخلياً عن العروبة، بل ترقية لمعناها في عالم مترابط. الأخوّة العربية أساس راسخ، غير أن الأخوّة السياسية الحديثة تضيف إليها الشراكة الموثوقة. لذلك يمكن فهم وصف الإمارات لجمهورية كوريا الشقيقة، والتي تطورت إلى شراكة استراتيجية خاصة، وتعمقت في الطاقة والتكنولوجيا والدفاع والتجارة. كما يمكن فهم العلاقات مع دول أوروبية، وآسيوية، وإفريقية، وأمريكية، باعتبارها جسوراً لأخوّة الموقف، حين تلتقي المصالح المشروعة مع المبادئ.
والأهم، أن هذا التوصيف لا يُمنح اعتباطاً. فالدولة التي تقف إلى جانب الإمارات وقت الخطر، وتدين الاعتداء بوضوح، وتؤكد احترام سيادة الدولة وسلامة أراضيها، وتساند العودة إلى الحوار الجاد، تقدم برهاناً عملياً على شراكتها. ولذلك تحضر في الخطاب الإماراتي مفردتا «الشقيقة» و«الصديقة» جنباً إلى جنب، ثم ترتقي بعض العلاقات إلى معنى أعمق، حين تثبتها المواقف، وتترجمها الاتفاقيات، وتدعمها المصالح المشتركة في الأمن، والتجارة، والطاقة، والابتكار.
إن المرحلة الراهنة تثبت أن العلاقات الدولية لا تُدار بالشعارات، بل بالمصداقية. ومن يقف مع الإمارات في مواجهة تهديد أمنها، ويؤيد حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها، ويحترم نهجها الداعي إلى الحلول الدبلوماسية، يكتسب في الوجدان السياسي الإماراتي منزلة تتجاوز الصداقة التقليدية. أما من يراهن على الصمت أو الالتباس، فإنه يضع نفسه خارج دائرة الثقة الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، تصبح اللغة الدبلوماسية مرآة لحسابات دقيقة، لا زينة خطابية عابرة، ولا وعداً مجانياً بلا مضمون.
إعادة مفهوم الدول الشقيقة، وفق الرؤية الإماراتية، تعني بناء عالم أكثر وضوحاً: شقيقنا من يحترم سيادتنا كما نحترم سيادته، ويحمي الاستقرار معنا، ويجعل من التعاون طريقاً للأمن والتنمية، تعرف أن الأخوّة لا تولد من الكلمات، بل تثبتها المواقف.
[email protected]
باحث دكتوراه في إدارة الأزمات والمخاطر

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه