قبل أربعين عاماً، حضرتُ أول اجتماع لي في منظمة أوبك، كانت تلك المرة الأولى التي أرتدي فيها بدلة وربطة عنق، وكنتُ في الثالثة عشرة من عمري، لم أكن سعيداً، وكذا لم يكن والدي، مانع العتيبة، وزير البترول والثروة المعدنية في دولة الإمارات العربية المتحدة آنذاك.
كان ذلك عام 1986، وقد انهار سعر النفط إلى أقل من 10 دولارات للبرميل في وقت سابق من ذلك العام، أمضى والدي شهوراً يضغط على أعضاء أوبك الآخرين لتعزيز حصص الإنتاج واستعادة استقرار الأسعار، وقد عكست التقارير الإخبارية من مؤتمر أغسطس في جنيف الحالة السائدة، قال والدي يومها للصحفيين: «لا يزال أمامنا طريق طويل، لستُ متفائلاً إلى هذا الحد».
كان محقاً في تشككه، انتهى الاجتماع دون التوصل إلى حل، لكن أوبك صمدت، وأصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة ثالث أكبر منتج للنفط في المنظمة.
في الأسبوع الماضي، وبعد ما يقرب من ستين عاماً من العضوية، أعلنت الإمارات العربية المتحدة انسحابها، هذا قرار يتجاوز بكثير مجرد حصص الإنتاج أو اضطرابات زمن الحرب، يعكس هذا التحول تغييرات هيكلية في أسواق الطاقة العالمية، وتحولات جذرية في الاقتصاد العالمي، ورؤية واضحة لموقع دولة الإمارات العربية المتحدة ومسارها المستقبلي.
أُنشئت منظمة أوبك للدول التي تعتمد اقتصاداتها على النفط، والإمارات لم تعد كذلك منذ زمن طويل، انضممنا إلى أوبك كأبوظبي قبل أن نصبح دولة مستقلة. ولاحقاً، كنا دولة فتية يعتمد اقتصادها بشكل شبه كامل على عائدات النفط، كان إطار عمل أوبك -الإدارة الجماعية للإنتاج، والانضباط المشترك، والتسعير المنسق- مناسباً لدولة حديثة العهد بأسواق الطاقة الدولية والاقتصاد العالمي، فقد وفرت لنا الخبرة والاستقرار والنفوذ الذي لم يكن بإمكان دولة صغيرة حديثة الاستقلال، تحقيقه بمفردها، لكن تلك الدولة لـــم تعد صغيرة. ففــي الوقت الراهن يرتبط أقل من ربع ناتجنا المحلي الإجمالي بالطاقة، وتُعد قطاعات الطيران والخدمات اللوجستية والتصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والسياحة وعلوم الحيــاة، مـــن أســـرع قطاعاتنا نمواً، خلال السنوات الأربع الماضية، وقّعنا 35 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة (دخلت 15 منها حيز التنفيذ بالفعل) مع الهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وأوكرانيا وإسرائيـــل وكينيـــــا وماليزيــا وفيتنام والأردن وغيرها، ما وسّع نطاق الوصول إلى أسواق تضم مليارات البشر، ونعمل على إبرام اتفاقية تجارية ثنائية مع الاتحاد الأوروبي، كما التزمنا بشراكة استثمارية وتكنولوجية مع الولايات المتحدة بقيمة 1.4 تريليون دولار، هذا لا يعكس صورة دولةٍ ينصبّ اهتمامها الأساسي على إدارة إمدادات النفط ضمن إطار جماعي.
لقد نبه العام الماضي كل حكومة وكل أسرة لما يعنيه انعدام الأمن الطاقي على أرض الواقع، فقد أدى عدم الاستقرار الإقليمي إلى تعطيل الإمدادات، ورفع الأسعار إلى مستويات قياسية، وفرض تكاليف باهظة على المستهلكين والمزارعين والشركات من «دي موين» إلى دلهي، والدرس واضح: العالم بحاجة إلى طاقة أكثر موثوقية وبأسعار معقولة، وبحاجة إلى منتجين قادرين على توفيرها.
إن مصلحة دولة الإمارات العربية المتحدة تكمن في جوار مستقر، لا جوار مضطرب، وسياستنا في مجال الطاقة، كسياستنا الخارجية، موجهة نحو هذا الهدف، لدينا فائض كبير في الطاقة والبنية التحتية اللازمة لتوسيعها، ونعتزم استثمار عشرات المليارات من الدولارات في خطوط أنابيب جديدة، وتطوير الموانئ، وتعزيز الخدمات اللوجستية لضمان وصول طاقتنا إلى الأسواق التي تحتاجها، بغض النظر عن الظروف المحيطة، هدفنا هو الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027.
لكن ضمن إطار الإنتاج الجماعي، تبقى هذه القدرة معطلة، لذا فإن الانسحاب من أوبك ليس مجرد حسابات تجارية، بل هو مسؤولية، تمتلك دولة الإمارات العربية المتحدة القدرة على المساهمة في أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي الدولي في وقتٍ يُتعرض فيه هذا الأمن والاستقرار لتهديد حقيقي، ونحن عازمون على القيام بذلك.
لن تتراكم عائداتنا من زيادة الإنتاج فحسب، بل سيُعاد استثمارها في مشاريع البنية التحتية في جميع أنحاء العالم النامي. وقد أمضت شركة مصدر، شركتنا للطاقة المتجددة، عشرين عاماً في بناء القدرات في 40 دولة، بما فيها الولايات المتحدة. ومحطة براكة النووية -أول محطة نووية في العالم العربي- تعمل الآن وتُنتج طاقة نظيفة أساسية، وقد خصصت أدنوك عشرات المليارات من الدولارات للنهوض بحلول منخفضة الكربون من خلال ذراعها الاستثمارية الدولية الجديدة «إكس آر جي»، نحن لا نختار بين النفط والتحول في قطاع الطاقة، بل نموّل أحدهما بالآخر.
وكأن هذه الأسباب لم تكن كافيةً لخروج إيران من أوبك، فهي لا تزال عضواً ملتزماً بقواعدها، رغم تجاهلها لمهمة المنظمة المعلنة المتمثلة في «ضمان استقرار أسواق النفط لتأمين إمدادات نفطية فعّالة واقتصادية ومنتظمة للمستهلكين». وفي انتهاكٍ لوقف إطلاق النار والقانون الدولي، جددت إيران يوم الأحد، هجماتها على ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة في الخليج.
تحدثتُ إلى والدي الأسبوع الماضي، وبصفته رئيساً لأوبك ست مرات، توقعتُ أن تكون لديه مشاعر متضاربة حيال خروج الإمارات من منظمة كرّس لها جزءاً كبيراً من حياته المهنية.
لكنه ذكّرني بأن هذه كانت الخطة منذ البداية، فكما هو الحال مع تلك البدلة وربطة العنق من عام 1986، فقد تجاوزنا أوبك، وقال: إن عائدات النفط كانت دائماً وسيلةً لتحقيق غاية، لم يكن الهدف أبداً أن نكون دولة نفطية، بل بناء شيء أكثر استدامةً، اقتصاد متنوع، ومجتمع معرفي، ودولة تمتلك العمق والشراكات اللازمة للنجاح مهما كان شكل العالم في المستقبل.
* سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة الأمريكية.. مقال في صحيفة «فاينانشال تايمز»
