الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حكومة العراق.. وخطر الانسداد السياسي

8 مايو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 8 مايو 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
السؤال الذي يشغل العراقيين منذ اختيار قوى «الإطار التنسيقي» الذي يُعتبر الكتلة الانتخابية الأكبر في البرلمان العراقي، علي فالح الزيدي رئيساً للحكومة العراقية الجديدة بتكليف من نزار آميدي رئيس الجمهورية الجديد هو: هل الأزمة التي تواجه الزيدي في مهمة تشكيل الحكومة الجديدة بسبب صراع الأحزاب والقوى السياسية العراقية وعلى رأسها أحزاب وقوى «الإطار التنسيقي» على تقاسم الحقائب الوزارية يمكن أن تتحول مجدداً إلى «انسداد سياسي» على نحو الانسداد الذي عطل لأشهر مهمة اختيار رئيس الجمهورية ومن ثم مهمة اختيار رئيس الحكومة؟
الإجابة عن هذا السؤال ذات شقين، الأول يخص صراع الأحزاب والقوى السياسية على الحقائب الوزارية وخاصة الوزارات السيادية، والثاني وهو الأهم، فيخص توازن القوى الجديد بين إيران والولايات المتحدة داخل العراق.
بالنسبة لصراع القوى والأحزاب السياسية العراقية، سواء على المستوى العراقي العام، أو على مستوى «الإطار التنسيقي» المكلف من رئيس الجمهورية (رجل الاتحاد الوطني الكردستاني)، فإن هذا الصراع تحكمه الأطماع والمنافع العامة والخاصة، وعلى نحو ما، قبلت أحزاب وقوى «الإطار التنسيقي» بمراجعة اختيارها ل «نوري المالكي» لتشكيل الحكومة الجديدة، والتوصل عبر مشوار طويل شديد الإرهاق من الصراع والتنافس، إلى اختيار «مرشح تسوية» هو علي فالح الزيدي، بعد التراجع عن دعم مرشحين آخرين على نفس المعيار (أي مرشح تسوية) مثل باسم البدري وإحسان العوادي، فإن الإطار التنسيقي سيقبل في نهاية الأمر بالوصول إلى «تشكيلة تسوية» للحكومة الجديدة، ترضي كل الأطراف، ربما من خلال العودة مجدداً إلى ما يعرف بالآليات القديمة على قاعدة «تحاصص المناصب الحكومية»، وحساب النقاط الذي يعتمد على حجم التمثيل البرلماني بالنسبة لكل منصب، وتعتبر العودة إلى هذه الآليات المقيتة مجدداً، انتكاسة كبرى لطموحات إجراء تغييرات جذرية بعيداً عن المعادلات التي فرضها الاحتلال الأمريكي على العراق.
العراق الذي فرض قاعدة «المحاصصة السياسية» بين المكونات العراقية الكبرى الثلاثة: الشيعة والسنة والكرد، وفَرض نفس القاعدة على توزيع المناصب الوزارية وفقاً لوزن كل حزب داخل البرلمان، أي عدد النواب الذين يمثلونه داخل البرلمان.
فعلى سبيل المثال يحتاج الحصول على منصب رئاسي مثل رئاسة الجمهورية أو البرلمان أو الحكومة إلى نحو 15 نقطة، أي ما يعادل 30 مقعداً برلمانياً، في حين يحتاج الحصول على وزارة سيادية مثل النفط أو الخارجية إلى نحو 5 نقاط، أي ما يعادل نحو 10 مقاعد برلمانية، في حين تحتاج الوزارات غير السيادية مثل الثقافة أو الإعلام أو الزراعة أو الصناعة إلى 4 نقاط، أي نحو 8 مقاعد انتخابية، ما يعني أن تكليف أي شخص بمنصب وزاري لا يعود إلى ما يمتلكه من قدرات أو تخصص وكفاءة ونزاهة بقدر ما يعود إلى الحزب الذي ينتمى إليه، ووزن هذا الحزب في المعادلة السياسية المشوهة، ووزن هذا الشخص المرشح داخل حزبه، وما يعني أيضاً أن القوى السياسية والمدنية من خارج الأحزاب السياسية ليست لديها أي فرص للحصول على أي من المناصب الوزارية مهما كانت قدراتها أو كفاءاتها. إنها أمور كلها تقود العراق إلى ما هو أسوأ من «الانسداد السياسي» بل تقوده إلى «جمود سياسي» وعجز شامل للنظام السياسي.
تحديات صعبة تواجه العراق، لكن هناك تحديات أخرى أعظم على رأسها عجز العراق عن الخروج من معادلة «الصراع الأمريكي – الإيراني»، فهذا الصراع مازال متغيراً حاكماً لحاضر العراق ومستقبله، وفي القلب منه الصراع على قوة التأثير في القرار السياسي العراقي.
فإذا كانت إيران تحظى بولاء قُوى وأحزاب سياسية وفصائل عسكرية مسلحة تلعب دوراً أساسياً في تسيير العملية السياسية العراقية على نحو ما يرضي طهران، وعلى رأسها انخراط العراق ضمن «محور المقاومة» ضد إسرائيل والولايات المتحدة، فإن للأخيرة نفوذاً قوياً في ظل استمرارية «الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق» كواقع فعلي، رغم محاولات واشنطن للتعمية على هذا الواقع، سواء بسبب قواعدها العسكرية القوية في العراق أو ما تحظى به من دعم بعض مكونات عرقية (الكرد) أو طائفية (السنة) فضلاً عن دعم قوة التأثيرات والضغوط الاقتصادية الأمريكية على العراق.
فالولايات المتحدة سبق أن أكدت على لسان رجلها في سوريا ولبنان والعراق (سفيرها في تركيا توماس برّاك) رفض ترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، وأرغمت «الإطار التنسيقي» على سحب ترشيحه له، وعرض مرشحين بدلاء، فإنها فرضت عقوبات مالية واقتصادية على العراق لطرح مرشح آخر ترضى عنه، وعرضت مكافآت مالية بملايين الدولارات لاعتقال عدد من زعماء الفصائل العسكرية العراقية.
وإذا كان الرئيس ترامب قد اتصل هاتفياً برئيس الوزراء العراقي المكلف علي فالح الزيدي عقب اختياره ودعاه لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة، فإن الدعم الأمريكي للزيدي مشروط بسقف سياسي وأمني، عنوانه إعادة ترتيب ملف فصائل المقاومة المسلحة، ومنعها من الدخول في التشكيل الحكومي الجديد.
تحديات صعبة قد تعيق أو تؤجل تشكيل الحكومة الجديدة وتعود بالعراق مجدداً إلى خطر «الانسداد السياسي».

logo اقرأ المزيد

الاكثر قراءه