البعض من الناس، ينتابهم حنين أو شوق لشيء لم يعيشوه، أو لوقت لا يعرفونه، أو لزمن غير مألوف، مثل رغبة عارمة في العودة إلى حقبة ماضية، كالثمانينات أو زمن قبله. هذا الفضول البشري له دور في مثل هذه الأماني، خاصة أنه ينبع من أعمق المشاعر الإنسانية، وأكثرها شاعرية.
ومن هنا يحضر السؤال، هل هو شوق للماضي، أو اشتياق لزمن يعتقدونه مثالياً؟ قد يكون سبب مثل هذا الشوق هو واقع متعثر يعيشه، أو بسبب حالة إخفاق مرت به، أياً كان نوعها أو شكلها. أو بمثابة احتجاج صامت، على الحياة المعاصرة المحملة بالتكنولوجيا.
والحقيقة أن مثل هذا الاشتياق للماضي، مع ما فيه من صعوبات، هو شوق للجو العام، وقد يكون للأفلام التي نشاهدها أو الروايات التي نقرؤها سبب قوي في مثل تكوّن هذه المخيلة، وتحولها لأمنية. وقد يكون السبب هو الذاكرة غير المباشرة، وأقصد بها ما يتواجد في العقل الباطن من إرث نحمله من آبائنا وأجدادنا، والتي تكونت من القصص والحكايات والمواقف والأحداث، وهذا الإرث كوّن رابطاً خفياً، رابطاً عاطفياً مع ذلك الزمن، لذا نحن نستدعيه ونتمناه، مع أنه زمن لا يشبه بأي حال من الأحوال واقعنا اليوم، لا من حيث التقنيات الحديثة، ولا التطورات في مختلف المجالات الحياتية.
على الجانب العلمي، نشرت مجلة «Frontiers in Psychology» دراسات عميقة أجرتها الدكتورة كريستين باتشو، وزملاؤها الباحثون، حول هذا النوع من الحنين، شرحت «كيف أن الحنين يعمل مثل «آلية دفاعية» أو وسيلة لتعزيز الشعور بالمعنى والارتباط الاجتماعي عبر الزمن». وخلصوا خلالها إلى «أن هذا النوع من الحنين التاريخي يرتبط عادة بعدم الرضا عن الوضع الحالي، وليس بالضرورة أن يرتبط بتجارب شخصية مفقودة».
أن يكون لديك حنين إلى الماضي، أو تنتابك مشاعر للعودة إلى سنوات ماضية، ليست المشكلة، بل على العكس قد يكون مفيداً إن كان يذكرك بقيم ومبادئ قويمة، لكن قد يكون مؤشراً وعلامة على واقع متعثر تعيشه، أو صعوبات في مسيرتك الحياتية، وحل مثل هذه العوائق لا يتم بالعودة نحو الأماني أو تنمية مشاعر الاشتياق لأزمان لن تعود، بل بالعمل في الحاضر والتفكير في المستقبل. العودة الذهنية المستمرة نحو الماضي تشبه الارتهان الدائم لجانب لا طائل منه، ولا جدوى، ما تقوم به فقط استهلاك لقدرات ذهنية كان الأجدر توظيفها نحو واقعك الحياتي اليومي.
