الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

القمة الصينية الأمريكية.. تأملات في ظروف انعقادها

14 مايو 2026 00:09 صباحًا | آخر تحديث: 14 مايو 00:10 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
هذه القمة لعلها، إن سلمت من المفاجآت المثيرة، تسجل لنفسها صفة الحدث الأهم في مرحلة دقيقة، مرحلة نودِّع فيها نظاماً دولياً بسمات معينة، ونستقبل نظاماً دولياً آخر، أزعم أنه سيكون بسمات شديدة الاختلاف. لذلك نتصور، بل ونأمل، أن تكون العقول السوية المتوفرة لدى الطرفين قد هيمنت خلال جهود الإعداد للقمة، عقول درست خلال فترة معتبرة، المتغيرات الرئيسية التي أثرت وتؤثر في سير العلاقات بين القطبين.
لاحظنا أموراً أخرى، جدير بنا كطرف ثالث الانتباه لها، وهو يستعد لاستقبال نجاح هذه القمة أو فشلها. كثيرة هي التطورات والمتغيرات المحيطة بانعقاد هذه القمة، والمتوقع منها التأثير في نتائجها، أختار فيما يلي بعضاً منها، البعض الذي أثار اهتمامي أكثر من غيره.
* أولاً: جرى استثناء الاستعدادات الجارية منذ شهور عديدة للتحضير لهذه القمة، من دور واضح أو صريح لأسماء أشخاص مرتبطين بالرئيس الأمريكي عائلياً أو لمصالح شخصية، مع العلم أنهم لازموا معظم إن لم يكن كل الاتصالات أو المفاوضات التي جرت بين إدارة ترامب ودول وجماعات في الإقليم.
* ثانياً: لم يمنع وجود هؤلاء الأشخاص جماعات المصالح التقليدية والطارئة من ممارسة ضغوطها على الجهة المنوط بها الاستعداد والتحضير لهذه القمة.
* ثالثاً: في الوقت الذي لم يكن لدى الصين انشغال خارجي جاد وخطير يشتت جهود الإعداد المتوازن للقمة، كانت الولايات المتحدة منشغلة كلياً بحرب ضد إيران دفعتها إليها إسرائيل بالاشتراك مع جماعة ضغط، ما ظل لعقود يعرف بالمجمع الصناعي العسكري.
* رابعاً: كالمعروف عن صنع السياسة في الصين، أتصور أن تستمر الأجهزة الصينية المخصصة للاستعداد للقمة تعمل ضمن قواعد ثابتة وأطر مؤسسية منضبطة وضغوط أغلبها مشتق من التزام بالمصلحة «القومية» العليا، وهو الالتزام الذي لازم أو التصق لزمن ممتد بالمصلحة «الشيوعية» العليا قبل أن ينفصل تحت مسمى «العقيدة الاشتراكية ذات الطابع الصيني»، كتعبير عن سياسات رأسمالية المضمون، مطعمة بضمانات اشتراكية وخاضعة لرقابة حزب لا ينام حراسه.
وكالمعروف عن صنع السياسة في عهد حركة «الماغا»، أو «أمريكا أولاً»، احتفظ الرئيس ترامب لنفسه بحق إدارة دفة الحكم تبعاً لمزاجه وتقلبات أهوائه ونزعاته الأقرب لنزعات المصابين بداء النرجسية المشبع بميول المتقدمين جداً في العمر، وبعض السلوكيات غير الرشيدة.
* خامساً: أتوقع ارتباكاً شديداً في تصرفات الجانب الأمريكي خلال لقاءات القمة، وفي رد فعل الجانب الصيني بتكرار مؤلم ومهين لما حدث خلال زيارة ملك بريطانيا للولايات المتحدة قبل أيام قليلة.
صحيح أن الحرب لم تحقق لناشبيها جل أهدافهم منها، إلا أنه صحيح أيضاً أنها صنعت أسوأ ما في كوابيس أحلام السياسة ما لم يتخيله سياسي أمريكي من قبل.
* سادساً: يبدو لنا من على البعد أن قادة الحكم في بكين استطاعوا إقناع واشنطن بأهمية وقف الحرب ضد إيران، ولو على الأقل خلال فترة الاستعداد للقمة وخلال انعقادها. المثير في هذا الموضوع انضمام قادة روسيا لهذه اللفتة الذكية من جانب قادة الصين، وتلقفها من جانب قادة الولايات المتحدة. بدت لنا هذه التصرفات كما لو كانت القمة الدولية تجرب نفسها من جديد. بدت لنا أيضاً كما لو أن الصين انتهزت الفرصة لتعلن جاهزيتها لممارسة دورها كقطب فاعل وقابل للتصديق، ولتعلن أيضاً رفضها لسياسات تعتمد «قانون الغابة» أسلوباً وسلاحاً في العمل الدولي.
* سابعاً: لا يغفل أحد عن الحضور غير المرئي، ولكن النشط، لروسيا في قمة بكين. روسيا على امتداد أربع سنوات تحارب أوروبا عدوها التقليدي والتاريخي. هدفها منع أوروبا من أن تحقق حلمها أن تصبح القطب الرابع في نظام دولي يجري تشكيله، وهو هدف تشترك فيه مع الولايات المتحدة ولا تقف الصين ضده.
يبقى واضحاً، لنا على الأقل، أن الرئيس ترامب لن يعود وقد حقق لنفسه ولحركة ماغا «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، حلمهما المشترك، بمعنى أنه لن يعود من قمة بكين، وأمريكا لا تزال مهيمنة على العالم.. ولّت بعيداً، ولا شك، فرصة أن تعود أمريكا أو أي قطب آخر دولة مهيمنة. وأنتظر من قمة بكين أن تكون خير دليل.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة