في الرابع عشر من مايو (أيار) الجاري يكون قد مضى على إنشاء إسرائيل وبالتالي النكبة الفلسطينية ثمانية وسبعون عاماً، وما تزال منطقتنا العربية، والعالم يعيشان تحت وقع واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وتأثيراً في التاريخ المعاصر.
فإقامة إسرائيل في إطار المشروع الاستعماري الغربي لم يكن مجرد تحول سياسي عابر، وإنما نقطة فاصلة في رسم خرائط النفوذ والتحالفات والصراعات في الشرق الأوسط بأكمله.
فقد ولّدت النكبة الفلسطينية عام 1948 موجات من اللجوء والصراعات، وأدخلت المنطقة في عقود طويلة من التوترات السياسية والعسكرية التي انعكست على استقرار الدول العربية ومسارات التنمية فيها، حيث دفعت الاعتداءات الإسرائيلية العديد من العربية ولا سيما المحيطة بفلسطين إلى توجيه جزء كبير من مواردها نحو الأمن والتسلح بدلاً من التنمية والاستقرار الداخلي.
وعلى امتداد العقود الماضية، ظل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي محوراً رئيساً في تشكيل السياسات الإقليمية والدولية، حيث ارتبطت به الكثير من التحالفات الإقليمية وأسهم في صعود الحركات السياسية والأيديولوجية المختلفة، والانقسامات الإقليمية، زد على ذلك أن هذا الصراع مثل اختباراً حقيقياً لمؤسسات القانون الدولي تجاه مفاهيم العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
واليوم وفي الذكرى الثامنة والسبعين لقيام إسرائيل، تجد المنطقة نفسها أمام مشهد أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، حيث تتسارع التحولات الجيوسياسية وتتبدل موازين القوى، ويتزايد التغول الكبير لقوات الاحتلال، ويتزايد الاستيطان، والتوسع اللافت في الأراضي العربية، بمباركة القوى الغربية الاستعمارية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وسط تساؤلات متجددة حول فرص السلام، وحدود القوة، وإمكانية الوصول إلى استقرار في المنطقة، حيث أدخل قيام إسرائيل المنطقة في دوامة من الحروب الممتدة، بدءاً من حرب 1948، مروراً بحروب 1956 و1967 و1973، والغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وصولاً إلى الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة والصدامات المستمرة حتى اليوم، إلى الحروب الدائرة في المنطقة حالياً وما تخللها من مجازر ارتكبتها وترتكبها قوات الاحتلال الإسرئيلي وعلى رأسها الإبادة الجماعية في غزة بعد هجوم السابع من أكتوبر، وعمليات القتل والتدمير والاعتداءات الوحشية المستمرة على لبنان، ناهيك عن التغول الاستيطاني في الضفة الغربية، وازدياد جرائم المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية المحتلة بحماية من قوات الاحتلال العنصري الإسرائيلي.
والحقيقة التي لا يمكن لأي متابع للقضية الفلسطينية تجاهلها هي أن إقامة إسرائيل لم يشكل خطراً على فلسطين وحدها بل على المنطقة بأسرها، فمنذ الأيام الأولى لبداية المشروع الاحتلالي الصهيوني لفلسطين وضع قادة الاحتلال الأسس والأهداف الاستراتيجية لمشروعهم والتي تمثلت بالسعي إلى احتفاظ إسرائيل بتفوق عسكري على جميع الدول العربية ، وتفعيل سياسة الردع ببعديها النفسي والمادي، وفرض إرادة إسرائيل على المنطقة، والاستعداد للجوء للعمل العسكري المباشر قبل حدوث خلل في الميزان العسكري لغير صالح إسرائيل، وهو ما يفسر سعي إسرائيل لامتلاك السلاح النووي بعد أقل من خمس سنوات على إقامتها كمشروع استعماري غربي في المنطقة، حيث تؤكد التقارير امتلاكها بما يتراوح بين 100 و200 قنبلة.
ولا أدل على مخططات إسرائيل التوسعية أكثر من تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي السابق أرييل شارون الذي حدد المجال الحيوي لإسرائيل، أمام لجنة الدفاع والخارجية للكنيست في جلستها في 12/12/1982 بأن المنطقة التي تضم مصالح إسرائيل الاستراتيجية، تشمل جميع مناطق العالم العربي المتاخمة .
زد على ذلك أن قيام إسرائيل شكل مدخلاً لتزايد النفوذ الغربي، خصوصاً الأمريكي، في المنطقة، حيث تحولت إسرائيل إلى حليف استراتيجي رئيسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ما أسهم في تعقيد موازين القوى الإقليمية، وربط مستقبل المنطقة إلى حد كبير بحسابات القوى الكبرى ومصالحها الدولية.
من كل ما تقدم يمكن القول إن النكبة الفلسطينية وقيام إسرائيل ليسا سوى زلزالاً حقيقياً لم يضرب فلسطين وشعبها، وإنما ضرب المنطقة العربية كلها وشكل خطراً ليس على الأمن والاستقرار فيها فقط، وإنما على المستوى العالمي أيضاً.
