في كتابة تاريخ التحولات الثقافية في منطقة الخليج العربي عامةً بما فيها الإمارات مطالع القرن العشرين وقبله أيضاً، توقّف دارسون عند عوامل كانت بمثابة روافع لهذه التحولات بأفق تحديثي نهضوي، بينها ظهور التعليم شبه النظامي، والنظامي لاحقاً، وتشكّل المجالس والأندية الثقافية الأولى، ومجيء مثقفين عرب لزيارة بلدان المنطقة واللقاء بنخبها الثقافية، ومن هؤلاء الأديب التونسي المتنوّر عبدالعزيز الثعالبي الذي زار دبي في عشرينات القرن العشرين، فاحتفى به أهل الأدب في الإمارات.
عامل مهمّ أحدث فرقاً في تسريع وتائر التحولات الثقافية المبكرة في الإمارات والخليج لم يجر الوقوف عنده بعناية كافية، هو ظهور الخدمات البريدية، الذي تناوله الكاتب الصحفي والباحث ظاعن شاهين في كتابه «من التغرودة إلى زقزقة الوسائط المرنة»، الذي يتناول فيه «التواصل الاجتماعي والثقافي في الإمارات».
ظهور الخدمات البريدية كان، حسب المؤلف، «بمثابة الشعلة التي أنارت طريق أبناء الإمارات للتواصل مع ما يحدث خارجياً، وفق منظومة مستدامة نقلت المشاعر والأفكار والتطلعات وحرّضت على تأسيس علاقة مؤطرة خارج الحدود الجغرافية لإمارات الساحل»، وكانت البداية في شهر إبريل من عام 1909 بافتتاح أول وكالة بريدية في دبي تتبع السلطة البريطانية، واستمر ذلك حتى عام 1963.
يشير ظاعن في الكتاب إلى أن نقل البريد في السنوات الأولى تمّ عن طريق البواخر التابعة لشركة الملاحة الهندية البريطانية، وفي عام 1912 أدرجت الهند خطاً بحريّاً يربطها ودول الخليج العربي، ما طوّر وسرّع الخدمات البريدية، التي ستشهد نقلة نوعية بدخول خدمات البريد الجوي من محطة الشارقة الجوية في أكتوبر عام 1932، حين وصلت أول طائرة إلى مطار الشارقة بعد استكمال تجهيزاته، قادمة من جوادر، الواقعة في باكستان حالياً، ومتجهة إلى مطار كرويدون في بريطانيا، بعد أن تزوّدت بالوقود من مطار الشارقة.
ثمّة تفاصيل تاريخية أخرى يذكرها المؤلف، لكن ما نودّ الوقوف عنده هو أن نشوء الخدمات البريدية في الإمارات، عن طريق البواخر أولاً والطائرات لاحقاً، حقق التواصل بين المثقفين من أبناء المنطقة، وبعضهم كانوا يومها يقيمون في الهند لأغراض التجارة والعلم، وبينهم ونظرائهم في البلدان العربية الشقيقة، كما حقق البريد أمراً آخر شديد الأهمية، هو سرعة وصول الصحف والمجلات الصادرة في الحواضر الثقافية العربية لتتلقفها أيادي أهل الأدب والثقافة في الإمارات.
