الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«إن لم نحمهن فلا بقينا..»

16 مايو 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 16 مايو 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
من الحديث عن المناهج العلمية في البحث وفي التوثيق التاريخي وأصول الأمانة العلمية؛ أنتقل إلى ما يعده البعض وجبة خفيفة سريعة، وأجدني إزاء مائدة مفتوحة، عليها قصاع ممتلئة من صنوف بغير حصر.
وقد عدت إلى مصادر ومراجع تتصل بمكانة المرأة العربية، قبل الإسلام وبعده، ووجدت أن المشهد قبل الإسلام لم يكن كله ظلماً وظلاماً، رغم الوأد ورغم العبوس والغم عند التبشير بالأنثى.
ثم صادفت سرداً تاريخياً وأدبياً معتبراً، فيه حكايات بديعة عن أبناء رفعوا أمهاتهم فوق كل الهامات، ومنهم عمرو بن كلثوم، الذي يروي الأصفهاني- صاحب الأغاني- هذه الواقعة عنه؛ إذ كان عمرو بن هند، ملك الحيرة، في مجلسه، وقال لجلسائه: «هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي؟»، فقالوا: نعم.. أم عمرو بن كلثوم، قال: «ولم؟» قالوا: «لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب، وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم سيد قومه وليث كتيبتهم».
فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم ليزوره ويسأله أن تزور أمُّه أمَّه، فأقبل ابن كلثوم من الجزيرة في جماعة من تغلب، وأقبلت ليلى معهم.. وضرب عمرو بن هند رواقه وأرسل لوجوه مملكته فحضروا، وأدخلت ليلى إلى هند في قبة إلى جانب الرواق، وصرفت هند الخدم، ثم قالت لزائرتها ليلى أم عمرو بن كلثوم: «ناوليني يا ليلى ذلك الطبق» فقالت ليلي في نفور وأنفة: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت هند طلبها وألحّت، وإذ ذاك صاحت ليلى: وا ذلاه.. يا لتغلب!
وسمعها ابنها فثار الدم في عروقه وانتفض قائلاً: «لا ذل لتغلب بعد اليوم»، ثم نظر حوله فإذا سيف معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره، فوثب إليه وأطاح به رأس ابن هند، وأنشد يومئذ معلقته المشهورة مرتجلاً، ومنها أبيات تحفظ إلى الآن:
ألا لا يجهلن أحد علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا
بأي مشيئة عمرو بن هند.. تطيع بنا الوشاة وتزدرينا
تهددنا، وأوعدنا، رويداً.. متى كنا لأمك مَقْتَوِيْنَـا
على آثارنا بيض حسان.. نُحَـاذِرُ أَنْ تُقَسَّمَ أَوْ تَهُوْنَـا
إذا لم نحمهن فلا بقينا.. لشيء بعدهن ولا حيينا
ثم.. أجدني أسارر نفسي وأتمنى أن تكون أوطاننا هي أمهاتنا «إن لم نحمهن فلا بقينا..».

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة