الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخلاص بالعدل دون استبداد

20 مايو 2026 00:34 صباحًا | آخر تحديث: 20 مايو 00:35 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
أنتج الفكر النهضوي العربي، في واحدة من أكثر تجلياته خصوصية، نظرية «المستبد العادل»، الفكرة ليست شاذة تماماً، فقد استبطنها بعض التنويريين السابقين على الثورة الفرنسية، كفولتير متأثراً برعاية الملك فريدرك الثاني، ملك بروسيا بين (1740ـ1786)، الأكثر انفتاحاً على أفكار عصر التنوير، والملكة كاترين الثانية إمبراطورة روسيا بين (1762ـ1796) المولعة بالفلسفة الفرنسية، والمتعاطفة مع الأفكار التنويرية، ولعل حياة الثائر جمال الدين الأفغاني، وعلاقته بحكام السلطنة العثمانية وبعض ولاة الأمصار العربية في زمانه تشي باستبطانه تلك النظرية، التي صرَّح بها الإمام محمد عبده، معتبراً أنها المدخل العملي لحل معضلة السلطة والشرعية في المجتمعات العربية الإسلامية، التي استمرت، حتى نهاية القرن التاسع عشر، مشغولة بالمفاهيم التقليدية عن الأمة والجماعة والشورى، والتي تهدف إلى تحقيق التكامل المجتمعي على قاعدة التراحم الإنساني، ولم تكن تكترث كثيراً بمفهوم الحرية الفردية، وما ينبثق عنه من عقد اجتماعي أو نزعة ليبرالية أو ديمقراطية تمثيلية.
حسب فهم الإمام فإن الحاكم القوى، إذا ما كان عادلاً بين الرعية، أميناً على الأمة، يمكنه أن ينوب عنها في تحقيق مصالحها الكلية، هذا القول قد يكون صادقاً في العموم، بل وله منطق يفسره، وهو أن الحاكم القوى الأمين، القادر على نشر العدل ورعاية المواطنين، والمتحرر من ضغوط جماعات المصالح ومراكز القــوى، قد يكون أفضل من نظام ديمقراطـــي تعـــددي، ينطـــوي على جماعات ضغط متحفزة، ويرتكـــز على أحزاب مختلفة في الميول الإيديولوجية، والمواقع الاقتصادية، وكذلك في رؤية العالم وكيفية التعاطي مع الآخر الحضاري، هذا الاختلاف يجعل إدارة الشأن العام نتاجاً لعمليات مساومة صعبة وتفاوض دائم وصدامات محتملة تجعل من عملية اتخاذ القرارات العملية، وإحــداث التغييـــرات الكبـــرى مهمـــة صعبـــة، إذ تفرض على القائد حدوداً في الحركة وقيــــوداً في الزمن لا يستطيع تخطيها إلا بصعوبة بالغة، ولعلنا جميعاً نتذكر مراراً كيف أوشكت الحكومة الفيدرالية في الولايات المتحدة أن تسرح موظفيها، لعجزها عن تدبير مرتباتهم، بفعل تأخر اعتماد الميزانية العامة إثر الخلاف بين الرئيس والكونغرس حول القضايا المختلفة!
ولا شك في أن قضية مثل هذه أقل خطورة بكثير عن قرار إعلان الحرب، والذي يكون للوقت فيـــه أثر حاسم في توجيه الصـراع أو كسب المعـارك، وبدرجات مختلفــة يمكن تمديد المنطق نفسه إلى عقــد معاهــدات ســـلام يمكن أن تكون مفيدة، أو بناء تحالفات استراتيجية يمكن أن تكون مؤثرة، أو توقيع صفقات تجارية قــد تكون مربحة، وجميعها يمثل الوقــت عنصراً حاسماً في إنجازها، على نحو يجعل المساومات المعقدة حولها عبئاً ثقيلاً قد يؤدي لإفشالها أو تقليل العائد المتوقع منها.
غير أن الدرس الذي يعلمنا التاريخ إياه، دولاً ومجتمعات، هو أن الاستبداد لا يمكن أن يكون عادلاً، حتى لو وجد المستبد العادل، وكان عهده زاخراً بالرخاء حقاً، على منوال الفاروق عمر بن الخطاب، أعدل حكام الزمان، الذي أسس الدولة على قاعدة العدل والشورى والاجتهاد، فحضور مثله يُعد صدفة رائعة لا تتكرر كثيراً، ولا يتوجب على مجتمعاتنا أن تنتظرها، أما الاستبداد نفسه فيمثل بنية معقدة، تقود إلى الفساد والترهل والركود، بقوة دافعين أساسيين:
الدافع الأول: أن المستبد العادل لن يتمكن من ممارسة سلطته المباشرة على نطاق دولته، لأن طاقته الإنسانية محدودة، وقدرته على المتابعة الكاملة مستحيلة، وفي ظل مجتمعاتنا الحديثة، القائمة على التخصص وتقسيم العمل، لن يكون قادراً على فهم جميع الظواهر المحيطة به، بالقدر الذي يتيح له اتخاذ القرارات في شأنها، إذن فهو إما غير قادر على رؤية كل شيء بنفسه، وإما غير قادر على فهم حقيقة كل ما يراه، وفي الحالين سيكون مضطراً للاستعانة بآخرين لينقلوا إليه ما لم يره بنفسه وهم (رجال السياسة والإدارة). أو ليحللوا له ما استغلق عليه فهمه وهم (رجال العلم والمعرفة)، ومن ثم يتحول الصنفان من الرجال إلى حكام حقيقيين، سرعان ما يصطبغون بالبيئة التي يحكمون منها وفيها: فهي إما بيئة متفتحة، يسودها القانون، تخضع لرقابة البرلمان، ويشرف عليها الإعلام الحر، تجعل منهم نخبة جيدة. وإما بيئة مغلقة وفاسدة، تغيب فيها الشفافية والرقابة البرلمانية الفعالة، تجعل منهم بطانة سوء، وجماعة مصلحة، تجد السلطة في يدها ثمرة يانعة، تقبض على زمامها بسهولة لتدبر من خلالها منافعها.
والأمر الثاني أن الحاكم مهما كان صحيح البدن، ليس له سوى العمر البشري المحدود، الذي ينقضي ليرثه آخرون، يكون عدلهم أمراً محتملاً، بينما استبدادهم أمراً مؤكداً، فلم يعرف التاريخ تقريباً حاكماً عادلاً ورثه من هو أعدل منه، فيما ورث الحكامَ الفاسدين من هو أفسد منهم. درس التاريخ أخيراً.. أن الحاكم العادل ليس إلا صدفة، لا يتوجب انتظارها، أما العدل نفسه فقيمة يتوجب السعي إليها، لتكون ديدنها في كل شؤون حياتها، كي تبقى سيدة لنفسها، مالكة لمصيرها، عصية على الغواية والخداع.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة