في مدينة نيوأورليانز، حيث وُلدت موسيقى «الجاز»، تتكدس المتاجر بقمصان تحمل عبارة: «هنا وُلد الجاز». وخلال زيارة لهذه المدينة، كان اسم لويس أرمسترونج حاضراً في كل زاوية، من الحديقة التي تحمل اسمه إلى المطار الدولي وتمثاله البرونزي الضخم الذي يقف أمامه الزوار لالتقاط الصور.
وأثناء انتظاري في طابور عشاق «الجاز»، دار حديث عفوي مع أمريكي من أصل ياباني. قال إن ارتباطه بـ «الجاز» لم يكن بسبب عرقه، بل لأنه قرأ عن حياة أرمسترونغ وكفاحه، فأحب تجربته قبل موسيقاه. وأضاف: «الموسيقى لغة عالمية، قد تولد في بيئة معينة، لكنها تصبح إرثًا لكل البشر».
ثم التفت خلفي فإذا برجل أمريكي أسود في السبعين من عمره، جاء من مدينة ديترويت برفقة حفيدته الصغيرة لزيارة نيوأورليانز للمرة الأولى. تحدث عن طفولته في الجنوب الأمريكي، وعن زمن كانت فيه العنصرية جزءاً من الحياة اليومية. قال إن مجرد ولادة الإنسان أسود البشرة كانت تعني أنه أدنى منزلة، كأنه مطالب بقبول قدره دون اعتراض.
كان يتحدث بمرارة صادقة، لكنه لم يكن غاضباً. قال إن «الجاز» لم يكن مجرد موسيقى، بل «صرخة العبيد الأولى من أجل الحرية»، والصوت الذي أعلن أن للسود كرامة وإنسانية. وأضاف بفخر: «نحن السود أوجدنا الجاز عندما كنا عبيداً».
في تلك اللحظة أدركت أن الفن العظيم كثيراً ما يولد من رحم المعاناة، وأن الإبداع قد يتحول إلى أداة مقاومة وهوية ووسيلة اندماج في المجتمع، فـ «الجاز» لم يعد موسيقى تخص السود وحدهم، بل أصبح جزءاً من الوجدان الأمريكي والإنساني، يجتمع حوله الناس من كل الأعراق والخلفيات.
غادرت المكان وأنا أشعر أن تمثال أرمسترونغ لا يخلّد مجرد موسيقي عظيم، بل يخلّد رحلة شعب كامل كافح طويلاً حتى ينتقل من الهامش إلى قلب المشهد الأمريكي، وأن الموسيقى كانت إحدى أجمل وسائل هذا الكفاح وأكثرها إنسانية.
