«النرجسية لا تعني حب الذات، بل تعني الذات التي لا ترى إلا نفسها». كريستوفر لاش، «ثقافة النرجسية»، 1979
***
كنت أراجع كتاب «ثقافة النرجسية» للمفكر الأمريكي كريستوفر لاش، وتوقفت طويلاً عند تاريخ صدوره: 1979. في العام نفسه، كان الشرق الأوسط يعيش ثورة تعيد صياغة وجه إيران والمنطقة.
بدا الأمر لي أولاً مصادفة عابرة، لكن خلف هذا التقاطع خطيئة تاريخية، فبينما كان الغرب ينشغل بنرجسية أفراده وأزمات مجتمعه داخل بيوته، تعامل بعمى سياسي مع صعود الثورة في طهران. لم يدركوا حينها أنهم لا يتعاملون مع مجرد تغيير نظام سياسي، بل مع وضع حجر الأساس لـ«نرجسية أيديولوجية» عابرة للحدود ستعبث باستقرارنا لعقود. حين أغلقتُ الكتاب، طاردني سؤال بسيط: هل يمكن للعقائد أن تتحول إلى مرض نفسي جماعي؟
الخلاصة التي يطرحها لاش، أن النرجسية ليست غروراً، بل هي آلية دفاعية يستبدل فيها المريض بالواقع الصورة، وبالإنجاز الرواية. وعندما تصبح الصورة أهم من الحقيقة، يبدأ الانهيار من الداخل. هذا بالضبط ما حدث. وطوال أربعة عقود ونصف العقد، ظل خطاب نظام 1979 عالقاً في مكانه، يدور في حلقة مفرغة بين المظلومية وتصدير الثورة والبحث المستمر عن عدو خارجي. وربما هنا بدأت المشكلة كلها، فقد برع النظام في بناء رواية صاخبة، لكنه نسي كيف يبني دولة حقيقية لشعبه.
وهكذا، كبرت أجيال كاملة في منطقتنا على أصوات الشعارات، دون أن تلتفت إلى أن لغة هذا الخطاب نفسه ظلت متجمدة في زمن الثورة، ولم تتعلم كيف تتحدث مع المستقبل.
في المقابل، كانت دول الخليج العربي تعيش واقعاً آخر. التفتنا إلى الأرض، اخترنا السلام والبناء، وركزنا على الإنجاز أكثر من انشغالنا بالشعارات الحماسية، لكنها كانت صحوة مكلفة. وجدنا أنفسنا ندفع كلفة معارك لم نطلبها، كأن الطرف الذي اختار الحياة والبناء كان هو المستهدف تحديداً من قِبل نظام يعتاش على الأزمات.
النظام النرجسي بطبعه لا يرى الآخر كما هو، بل كما يحتاج إليه في روايته الخاصة. هو لا يريد جاراً مستقراً، بل يحتاج إلى «خصم» يبرر به وجوده أمام شعبه. ومع الوقت، تحول هذا السلوك إلى حالة إنكار كبرى، تشبه ممثلاً يرفض مغادرة المسرح رغم أن الأضواء انطفأت والجمهور غادر الصالة منذ زمن. إنه يصر على تكرار دوره القديم أمام مقاعد فارغة.
يقول لاش: «حين تطغى صور القوة على الواقع، يجد من لا يملكون القوة أنفسهم يحاربون أشباحاً».
وهنا نسأل، ببساطة وبعيداً عن تعقيدات السياسة: كيف تتفاوض مع نظام يفاوض العالم على صيانة صورته، لا على بناء مستقبله؟
