ولدت الروائية الإنجليزية زادي سميث في عام 1975، وبحسب الموسوعة الحرّة أصبحت زميلاً في الجمعية الملكية للأدب من عام 2002 إلى عام 2016، وفي عام 2006 فازت بجائزة أورانج للأدب الروائي، ومن أعمالها الروائية المترجمة إلى العربية «عن الجمال» وترجمها مفرح كريم عام 2008، ورواية «أسنان بيضاء» التي ترجمها أسامة أسبر إلى العربية في عام 2020.
ترى سميث أن هناك عشر قواعد تنصح بها الكتّاب الشباب، واستوقفتني إحدى هذه القواعد وهي أن يكون الوقت والمكان المخصَّصان للكتابة للكاتب فقط، وحتى الأشخاص الأكثر أهمية بالنسبة للكاتب لا يجب أن يكونوا في هذا المكان، مكان الكتابة. وفي الآونة الأخيرة، أي في السنوات العشر الماضية، كثرت مثل هذه النصائح التي يوجّهها بعض الكتاب المكرّسين في عالم الأدب للكتاب الشباب، وكثرت أيضاً ورش التدريب على الكتابة، وبخاصة، كتابة الرواية.
شخصياً، لست متأكداً ما إذا كان يمكن تدريب كاتب على عادات وممارسات بحدّ ذاتها، من شأنها أن تصنع منه كاتباً له اسم ووزن في بيئة الأدب الذي لا يمكن تلقينه أو التدرّب عليه، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية الخبرة والتجربة التي تعود إلى الكاتب المكرّس الذي يقوم بدور المدرّب في تلك الورش.
الكاتب المدرّب، إن جازت العبارة، له بالطبع اعتباريته الأدبية المحترمة، وهو في الغالب يعطي خبرة، لكنه لا يعطي قواعد قطعية نهائية تتصل بجوهر الكتابة.
أعود الآن إلى المكان المخصص للكتابة الذي تنصح به زادي سميث، ويتوجب عملياً أن لا يدخله أحد، فهو بالفعل مكان الخصوصية الإبداعية، مكان التقاء الكاتب بذاته، وهو أيضاً مكان التقاء الكاتب بإلهامه الفردي البالغ الخصوصية، ولا أتحدث هنا عن الوحي أو العزلة أو الانقطاع أو الغياب، تلك مفاهيم رومانسية عاطفية لا تصنع كتابة يعوّل عليها.
المقصود بمكان الكتابة هو مكان ورشة الكتابة التي يشتغل فيها الكاتب على مراجعه ومصادره وكتبه وأرشيفه ومخطوطاته ووثائقه، أي أن المكان بهذا المعنى هو مكان بحث وتدبير وصناعة.
نعم، الكتابة صناعة لها مكان مادي ومعنوي، محدّد، بل وأحياناً هو مكان مقفل، وإلّا تحوّل فعل الكتابة إلى شتات وعدم تركيز، بل وتحوّل إلى فوضى.
أخيراً، إن الكتابة التي تتطلب هذه الصيغة المكانية الاستثنائية هي كتابة الأدب، وتحديداً الرواية أو الشعر، حيث المرء مع ذاته فقط.
