هناك مهن لا تُكتب تفاصيلها كاملة في الوصف الوظيفي، لكنها تُحدث الفرق الحقيقي في تجربة الناس.
مؤخراً، لاحظت عند زيارتي للقليل من الجهات الخدمية العامة منها والخاصة، شيئاً أثار انتباهي، فلم يكن هناك خطأ، ولا تأخير، ولا سوء تعامل بالمعنى المباشر، فالموظف كان يؤدي عمله كما ينبغي، يجيب، يوجّه، وينجز المطلوب، لكن شيئاً صغيراً كان غائباً، أو هكذا شعرت: الابتسامة.
قد يبدو الأمر تفصيلاً بسيطاً، وربما يقول البعض: وهل أصبحت الابتسامة جزءاً من الواجبات الوظيفية؟ بالطبع لا، فلا يوجد بند في عقد عمل ينص على أن الموظف يجب أن يبتسم ثماني ساعات يومياً، لكن هناك أموراً لا تحتاج إلى لوائح مكتوبة كي تصبح جزءاً من الاحتراف.
الابتسامة ليست مجاملة فارغة، ولا ترفاً سلوكياً، بل لغة إنسانية راقية، خصوصاً في الأماكن التي تتعامل مع الناس يومياً، هي الرسالة الأولى التي تصل قبل الكلمات، والانطباع الذي يبقى أحياناً بعد انتهاء المعاملة.
كم من شخص دخل جهة خدمية متوتراً أو غاضباً، فخف توتره بسبب استقبال لطيف أو وجه بشوش؟ وكم من مراجع لم يُنجز طلبه بالكامل، لكنه خرج متفهماً، فقط لأنه شعر بالاحترام وحسن التعامل؟ وفي المقابل، كم من تجربة بسيطة تحولت إلى ذكرى مزعجة بسبب برود الملامح أو جمود الاستقبال، رغم إنجاز المعاملة كما يجب؟
الموظف المبتسم لا يمثل نفسه فقط، بل يعكس صورة المؤسسة وثقافتها واحترامها للناس، وفي زمن تتنافس فيه المؤسسات على جودة الخدمة، لم تعد الكفاءة تُقاس بسرعة الإنجاز وحدها، بل بجودة التجربة الإنسانية المصاحبة لها.
ولعل للابتسامة معنى أجمل في مواسم الفرح، مثل العيد، فالعيد ليس ملابس جديدة وموائد فقط، بل مناسبة يتبادل فيها الناس الطمأنينة والبهجة. في العيد، يبتسم الجار لجاره، والبائع لزبونه، والقريب والغريب، وكأن المجتمع كله يقرر، ولو لأيام قليلة، أن يكون أكثر لطفاً.
غداً يوم عيد، وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا ليس شيئاً يشترى، بل شيء بسيط ومجاني: ابتسامة صادقة تقول للآخرين، دون كلمات كثيرة، عساكم من عواده.
@MEalhammadi
