الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العمل العميق ومقاومة التشتت

26 مايو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 26 مايو 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
من الممكن أن تقضي ساعة في العمل وتنجز مهمتين، بينما غيرك يقضي ساعة ولكن ينجز أربع مهام، لو افترضنا أن كلا الشخصين لديه المهارات ذاتها والظروف والقدرات ذاتها، فسيكون الفرق الوحيد هو التركيز والعمق. كثيرون يقضون في مهام عملهم وقتاً طويلاً، لكن هذا الوقت يكون مقطعاً، تتخلله نظرة إلى الهاتف، ورد على رسالة، وانشغال بفكرة عابرة. النتيجة أن الساعة تمر دون أن ينجز فيها ما ينجزه في عشرين دقيقة من التركيز الحقيقي. هذا النوع من التركيز المتصل الذي يغوص فيه الإنسان في مهمته دون مقاطعة، هو ما يصنع الفرق بين إنتاج عادي وإنتاج فعال.
لو فكرنا في العمل العميق فسنجد أنه لا يحدث فوراً. العقل يحتاج إلى وقت ليدخل في حالة التركيز. وهنا تكمن المشكلة، فكل مقاطعة تعيد الإنسان إلى نقطة البداية، ويحتاج من جديد إلى وقت ليعود إلى حالته. من يقاطع عمله كل بضع دقائق لا يصل أبداً إلى العمق، يبقى يدور في المنطقة السطحية التي لا تنتج إلا عملاً سطحياً.
في زمن أصبحت فيه المقاطعات جزءاً من كل لحظة، هواتفنا تصدر إشعارات باستمرار من عشرات التطبيقات، عقولنا مشتتة بالعديد من الأمور، صار العمل العميق نادراً وثميناً في هذا الوقت. كأن عقلنا تعود على أن ينتقل من شيء إلى شيء كل دقيقة. هذا التعود له ثمن، إذ يفقد الإنسان تدريجياً قدرته على البقاء في فكرة واحدة لمدة كافية. ويلاحظ أنه يتعب من مهمة بسيطة، ليس لأنها صعبة، بل لأن عقله لم يعد يحتمل التركيز المتصل.
من يريد أن يعمل بعمق، يحتاج أن يضع ما يشبه الحماية في فترات معينة من يومه، أن يخصص وقتاً لا مقاطعة فيه، يغلق فيه ما يشتته، ويخبر من حوله أنه غير متاح. هذه الفترات لا تحتاج أن تكون طويلة، فساعة واحدة من تركيز حقيقي قد تنجز ما لا تنجزه أربع ساعات مقطعة. المهم أن تكون هذه الساعة محمية فعلاً، وليست ساعة يقول الإنسان إنه يعمل فيها بينما عقله في عشرة أماكن.
ما يكتسبه الإنسان من العمل العميق ليس إنتاجاً أكثر فقط، بل نمط حياة جديد، يجعل للعمل وقتاً، وللأمور الأخرى وقتها، فالعمل الذي ينجز بتركيز يعطي صاحبه شعوراً بالرضا لا يعطيه العمل المتقطع. ومع تكرار هذه الفترات، يستعيد العقل قدرته على التركيز التي أضعفها التشتت. وهذه القدرة، في زمن فقدها فيه كثيرون، أصبحت من العملات النادرة، لأن المهم ليس كمية ما ينتجه الشخص، بل عمقه وجودته.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة