شهدت الأبحاث النفسية والبيئية، طفرة ملحوظة في فهم الروابط الخفية بين الطبيعة والرفاهية النفسية، حيث ظل العلماء لعقود يبحثون عن الآليات الدقيقة التي تجعل من المساحات الخضراء والبيئات الطبيعية ملاذاً آمناً للعقل البشري.
وجاءت دراسة دولية كبرى، لتكشف عن حلقة وصل غير متوقعة تؤكد أن تحسن الرضا عن الحياة يمر بشكل مباشر عبر تصالح الإنسان مع جسده وقبوله له، وهي الفائدة التي تمنحها الطبيعة بسخاء لروادها.
وكشفت الدراسة الدولية بقيادة جامعة أنجليا البريطانية، والتي تُعد الأكبر من نوعها، أن قضاء الوقت في الطبيعة يساعد الأفراد على تكوين صورة إيجابية عن أجسادهم، وأن هذا التقدير المتزايد للذات البدنية هو المحرك الأساسي لارتفاع مستويات الرضا عن الحياة. وشمل البحث تحليل استجابات خمسين ألف شخص تراوحت أعمارهم بين 18 و99 عاماً ينتمون لثمان وخمسين دولة، لتبين النتائج أن هذه الفوائد النفسية تتجاوز الحدود الثقافية والجغرافية، وتنطبق على جميع الأعمار والهويات الجنسية دون استثناء.
وقاد هذا البحث البروفيسور فيرين سوامي، أستاذ علم النفس الاجتماعي بالجامعة، الذي أوضح أن العلاقة بين الطبيعة والصورة الإيجابية للجسم تستند إلى مسارين رئيسيين؛ أولهما يكمن في قدرة البيئات الطبيعية على منح الإنسان فرصة ذهنية تُعرف بـ«الهدوء الإدراكي»، وهي حالة ينبهر فيها الانتباه البشري بسلاسة بالمناظر والأصوات الهادئة، ما يتيح فرصة للتأمل دون إجهاد ذهني، ويسهم في زيادة التعاطف مع الذات وإظهار اللطف نحوها، وهو ما يترجم فوراً إلى تقدير أعلى للجسد.
أما المسار الثاني، فيركز على دور الطبيعة في تقديم الترميم النفسي والتعافي من الإرهاق الذهني الذي تسببه البيئات الحضرية المزدحمة؛ فالمدن تفرض على الدماغ تركيزاً مستمراً لإدارة الضوضاء وحركة المرور، بينما توفر البيئات الطبيعية شعوراً عميقاً بالانتعاش والاسترخاء، والذي تبين ارتباطه الوثيق بتقبل الجسد والرضا العام عن مجريات الحياة اليومية.