لم تكن الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى الصين، الأسبوع الماضي، مجرّد حدث عابر، فهذه الزيارة لم تكن مقررة من قبل، وجاءت بعد 5 أيام فقط، من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، ولقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
لقد تركت هذه الزيارة انطباعاً بأن الرئيس ترامب يسعى إلى تحييد الصين في إطار حربها المفتوحة في الشرق الأوسط. ولدى الولايات المتحدة ملفات عدّة، تمثل إغراء للصين وعلى رأسها ملف تايوان، والتعاون التقني بين البلدين، فلا يخفى أن الولايات المتحدة تملك قدرات هائلة في التقنية الحديثة، ومعظم شركات التقنية في العالم أمريكية، كما أن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للطاقة من نفط وغاز في العالم، وبيدها مفاتيح الاقتصاد العالمي، وهي تستطيع منح الصين ما تريد إن هي وافقت على شروطها، وقبلت بتنفيذ سياساتها الرامية إلى القضاء على الخصوم.
وتمثل روسيا خصماً أساسياً للولايات المتحدة، فهي العدو الأول منذ أيام الاتحاد السوفييتي السابق، وهي القوة العظمى الخفية التي لديها اتساع لا متناه في أعماق القطب الشمالي المحاذي للأراضي الأمريكية، ولا يمكن إلحاق الهزيمة بها، وإخضاعها من طرف الغرب فقط، بل يمثل تعاون الصين حجر الزاوية في هذا الأمر. وقد توجست روسيا من تلك الزيارة، خاصة أن العالم قد دخل في مرحلة التحولات والاصطفاف للمنازلة الكبرى القادمة، ولذلك، كان لا بد من ملاقاتها بزيارة مماثلة للرئيس بوتين إلى الصين.
من المعروف أن الصين لا تقبل سياسات الهيمنة، وتتفهم روسيا تلك الحساسية الصينية تجاه الغير، ولذلك، فهي تنهج مع الصين نهجاً يقوم على الاحترام المتبادل والتعاون. وأصدرت الدولتان في فبراير 2022 «بياناً مشتركاً» لإعلان شراكة استراتيجية بلا حدود، وأكدت الدولتان أن علاقاتهما تتجاوز التحالفات العسكرية التقليدية، ولا تستهدف أيّ دولة أخرى. وقد جسّدت تلك الشراكة مفهوم «الاحترام المتبادل». وقد استفادت الدولتان من هذه الاتفاقية، لا سيما في مجال الطاقة. وقد شهدت قمة بكين الأخيرة توقيع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والصيني شي جين بينغ، على وثيقة سياسية وتاريخية شاملة تؤسّس لنظام عالمي متعدّد الأقطاب.
تمثل هذه الوثيقة إعلاناً، سياسياً واستراتيجياً، بأن العالم يشهد مرحلة تحّول تؤسس لظهور نظام دولي جديد، لن تكون الولايات المتحدة الفاعل الأساسي فيه. وقد دانت الصين وروسيا، خلال القمة، خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للدرع الصاروخية «القبة الذهبية»، وسياسة واشنطن النووية «غير المسؤولة». وذكر البيان المشترك أن خطة ترامب لإنشاء نظام اعتراض صواريخ أرضي وفضائي تُهدد الاستقرار الاستراتيجي العالمي، وانتقد واشنطن لسماحها بانتهاء العمل بمعاهدة تُقيد الترسانات النووية الأمريكية والروسية.
لكن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن روسيا هي العدو الأول للولايات المتحدة، وعلى الرغم من تلك الحرب المستعرة في أوكرانيا، والتي يمولها حلف شمال الأطلسي، فإن روسيا لم تتأثر اقتصادياً، بسبب تعاونها مع الصين، حيث إنها تحتل المرتبة الأولى كأكبر مورد للغاز الطبيعي إجمالاً عبر الأنابيب إلى الصين، ووفقاً لبيانات نشرتها الإدارة العامة للجمارك الروسية، فقد صدّرت روسيا إلى الصين كمية قياسية من الغاز الطبيعي المسال بلغت 9.799 مليون طن في عام 2025، وبقيمة نقدية بلغت 4.985 مليار دولار، وبما يعادل 51 ضعف الكمية المُصدّرة للصين خلال الأعوام الماضية. وتم افتتاح خط «قوة سيبيريا 1»، الذي يبلغ طوله 3000 كيلومتر. واتفقت الدولتان على إنشاء خط ثان تحت اسم «قوة سيبيريا 2». والذي يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي من حقول يامال الروسية إلى شمال شرق الصين، عبر خط أنابيب يمتد لأكثر من 4 آلاف كيلومتر، منها نحو 2600 كيلومتر داخل الأراضي الروسية، ثم قرابة ألف كيلومتر عبر منغوليا. وبطاقة سنوية تصل إلى 50 مليار متر مكعب.
وفي وقت سابق، وصف الرئيس التنفيذي لشركة «غازبروم» أليكسي ميللر، المشروع بأنه «أكبر وأكثر مشاريع الغاز كثافة في رأس المال في العالم». وأعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية أن روسيا والصين توصلتا، بشكل عام، إلى تفاهم حول المعايير الرئيسية لمشروع «قوة سيبيريا 2». وسابقاً ذكرت وسائل إعلام أن روسيا تسعى بقوة إلى افتتاح هذا المشروع من أجل تعويض خسارتها للسوق الأوروبية. وعلى الرغم من أن الصين لا ترغب في الارتهان لجهة معينة في توريد الطاقة لها، خوفاً من الابتزاز، لكن في إطار تحالفها الاستراتيجي مع روسيا، فإنها مضطرة لاتخاذ سياسات لا تتوافق مع توجهاتها الأساسية، فروسيا لم تعد بالنسبة إليها، مجرد دولة، بل هي حليف فرضته الجغرافيا، والسياسات الأحادية التي تعتمدها الولايات المتحدة في العالم. والدولتان ستكونان جنباً إلى جنب في أية حرب كبرى قد تفرض على كلتيهما أو على أيّ واحدة منهما في المستقبل.
