الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عُمان وسؤال التوازن في الخليج الجديد

31 مايو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 31 مايو 00:03 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
حين تُذكر عُمان في سياق التهديدات الإقليمية، لا يجب أن يبدأ النقاش من السياسة، بل من المسلّمات، وأول هذه المسلّمات أن أمن سلطنة عُمان وسلامة أرضها وشعبها ليسا محل نقاش خليجي، ولا مساحة للحياد تجاههما.
وأي تهديد يستهدف عُمان، سواء جاء بلغة التصعيد أو التلويح بالقوة، لا يُقرأ خليجيّاً بوصفه شأناً عُمانياً منفصلاً، بل باعتباره مساساً بجزء أصيل من الجغرافيا والمصير المشترك.
في اللحظات الكبرى نتمسك بالحقائق الأساسية وهي أن عُمان ليست مجرد جار، بل امتداد تاريخي وإنساني وسياسي ليس للإمارات فقط وإنما للخليج كله، وما يربط دولنا بعُمان لا تصنعه المصالح الظرفية وحدها، بل ذاكرة مشتركة، وروابط اجتماعية، وإدراك عميق بأن استقرار أي دولة خليجية ينعكس على الجميع.
وبعد تثبيت هذه الحقيقة، يبدأ السؤال الأكثر حساسية وهو كيف ينظر الخليجيون إلى السياسة الخارجية العُمانية، خصوصاً في لحظة إقليمية تبدو مختلفة عن كل ما سبق؟
الحرب الأخيرة وما رافقها من هجوم أمريكي-إسرائيلي على إيران، ثم الاعتداءات الإيرانية السافرة التي طالت دول مجلس التعاون الخليجي بدرجات متفاوتة، فرضت واقعاً جديداً على المنطقة، لم يعد الخطر نظرياً أو مؤجلاً، بل تجربة حقيقية عاشها البشر والمدن والمجتمعات الخليجية، وهو ما أعاد النقاش حول طبيعة الأدوات السياسية والأمنية المناسبة للتعامل مع هذه الحالة الجديدة.
في هذا السياق، عادت السياسة العُمانية إلى واجهة النقاش الخليجي، ولطالما بدت عُمان، في المخيال الخليجي، دولة تتحرك بإيقاع مختلف، فبينما تختار دول خليجية أخرى وضوحاً أكبر في الاصطفافات السياسية والأمنية، تفضل مسقط عبر عقود طويلة سياسة تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، والحفاظ على مساحة للحوار، بما في ذلك مع إيران.
هذه المدرسة العُمانية لم تأتِ من فراغ، فهي تعكس فلسفة سياسية ترى أن خفض التوتر قد يكون أحياناً جزءاً من إدارة الخطر لا تعبيراً عن القبول به، ولهذا يرى كثيرون في الخليج أن عُمان لعبت أدواراً مهمة كجسر للحوار ووسيط في أوقات التعقيد.
لكن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيداً مما كان عليه في أزمات سابقة، فما يزيد الإحساس الخليجي بأن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة هو تبدّل طبيعة القلق نفسه، فبالأمس كانت دول الخليج تواجه اعتداءات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، بينما تجد عُمان نفسها اليوم أمام لغة ضغط وتهديد غير مألوفة من شريك دولي هي الولايات المتحدة التي ارتبطت معها بعلاقات طويلة تعود إلى قرنين من الزمان، وهذا ما يدفع إلى سؤال خليجي مشروع وهو هل لا تزال الأدوات التقليدية قادرة على إدارة واقع أكثر خشونة واضطراباً؟
وربما تكمن خصوصية اللحظة الحالية أيضاً في أن البيئة التي منحت السياسة العُمانية مساحة واسعة للحركة تبدو في طور التغير، فعلى مدى سنوات، نجحت مسقط في الموازنة بين شراكاتها الغربية وقنواتها المفتوحة مع طهران، لكن التوترات الأخيرة تطرح تساؤلات جديدة حول قدرة هذا التوازن على الاستمرار بالصيغة ذاتها في بيئة إقليمية أقل استقراراً وأكثر استقطاباً.
وربما هنا تحديداً يبرز تحول أوسع في طبيعة السياسة الإقليمية والدولية نفسها، ففي لحظات الاستقرار، قد تمنح القوى الكبرى مساحة أوسع للموازنة والوساطة والتموضع الحذر، لكن في لحظات الاستقطاب الحاد تصبح المطالبة بوضوح المواقف أكثر حضوراً... ويبدو أن الرسالة التي يقرأها كثيرون من التصعيد الأمريكي الأخير تجاه عُمان هي أن المرحلة الراهنة تبدو أقل تسامحاً مع المناطق الرمادية وأكثر ميلاً إلى طلب مواقف أوضح وحدود أكثر تحديداً للشراكات والرهانات.
هنا تحديداً لا يدور النقاش الخليجي حول عُمان بقدر ما يدور حول طبيعة المرحلة نفسها، فهناك من يرى أن اللحظة تتطلب وضوحاً وردعاً أكبر، فيما يعتقد آخرون أن الاحتفاظ بخيوط الحوار يظل ضرورة استراتيجية حين تصل المنطقة إلى حافة التصعيد.
وربما لهذا السبب تبدو هذه المرحلة اختباراً يتجاوز عُمان إلى مجلس التعاون الخليجي نفسه، ففي ظل العواصف الإقليمية، تصبح الحاجة إلى مزيد من التقارب والتنسيق الخليجي أكثر إلحاحاً، ليس فقط لحماية الأمن الجماعي، بل لحماية المشاريع الاقتصادية الكبرى والاستقرار الاجتماعي والطموحات التنموية التي بنت عليها دول الخليج رؤيتها للمستقبل.
فالاختبار الحقيقي اليوم ليس في إلغاء اختلاف المقاربات بين دول الخليج، بل في قدرتها على إدارة هذا الاختلاف داخل مساحة أوسع من الثقة والتنسيق والمصلحة المشتركة، لأن سؤال المرحلة الحالية هو هل يستطيع مجلس التعاون أن يتحول، في لحظة اختبار تاريخية، إلى إطار أكثر تماسكاً وقدرة على حماية المصالح الخليجية المشتركة؟
في النهاية، ربما تكون الطريقة الأكثر إنصافاً لقراءة عُمان ألا تُقرأ بوصفها استثناءً خليجياً، بل مدرسة مختلفة داخل البيت نفسه، مدرسة يراها البعض حكمة سياسية، ويراها آخرون حذراً مفرطاً، لكنها في كل الأحوال تبقى جزءاً أصيلاً وجميلاً من الحكاية الخليجية الكبرى، لا خارجها.
@MEalhammdi
كاتب صحفي

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة