الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الدولار الأمريكي أمام اختبار التاريخ

2 يونيو 2026 22:46 مساء | آخر تحديث: 2 يونيو 22:46 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
قبل عام تقريباً، أشرت في مقال سابق إلى أن التحدي الحقيقي الذي يواجه الدولار الأمريكي لا يكمن في ظهور عملة منافسة، بل في التراجع التدريجي للثقة بالنظام المالي العالمي القائم على هيمنة الدولار، وفي توجه العديد من الدول والبنوك المركزية إلى تنويع احتياطياتها وتقليص اعتمادها على الأصول المقومة بالدولار.
واليوم تبدو تلك المؤشرات أكثر وضوحاً. فمنذ مايو 2025 وحتى مايو 2026 تراجع مؤشر الدولار الأمريكي بنحو 10% أمام سلة العملات الرئيسية، متأثراً بتباطؤ النمو الاقتصادي الأمريكي، وارتفاع الدين العام، وتزايد التوقعات بخفض أسعار الفائدة، إضافة إلى التحولات الجيوسياسية التي دفعت المستثمرين إلى إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية.
كما أعادت التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط والخليج والمخاوف المرتبطة بأمن الطاقة والملاحة البحرية طرح تساؤلات مهمة حول مستقبل النظام النقدي العالمي ومكانة الدولار كعملة احتياط رئيسية. وفي هذا السياق، أثارت التقارير المتعلقة بقيام بعض الجهات الأجنبية ببيع نحو 60 مليار دولار من سندات الخزانة الأمريكية اهتمام الأسواق العالمية. ورغم أن هذا الرقم محدود مقارنة بالحجم الضخم لسوق السندات الأمريكية، فإن أهميته تكمن في دلالته على احتمال تحول بعض المؤسسات الرسمية حول العالم إلى إعادة هيكلة احتياطياتها بصورة تدريجية.
فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في عمليات بيع محدودة للسندات الأمريكية، بل في إمكانية تحول هذا السلوك إلى توجه استراتيجي طويل الأجل لدى البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية، عبر تخفيض حصة السندات الأمريكية وزيادة المخصصات للذهب أو العملات الأخرى.
وقد شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً قياسياً في مشتريات البنوك المركزية من الذهب، بما يعكس رغبة متزايدة في تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على أصل أو عملة واحدة. واستفاد الذهب والفضة بشكل مباشر من هذه التحولات، حيث عزز ضعف الدولار وارتفاع المخاطر الجيوسياسية جاذبية المعادن الثمينة باعتبارها ملاذات آمنة للتحوط وحفظ القيمة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للدول النفطية والدول العربية المرتبطة عملاتها بالدولار، ومنها الأردن. فضعف الدولار قد يعزز القوة الشرائية للعائدات النفطية عند ارتفاع أسعار الطاقة، لكنه في المقابل يزيد تكلفة الواردات القادمة من الدول ذات العملات القوية، ما قد ينعكس على معدلات التضخم المحلية. كما ساهم تراجع الدولار في دعم وصول الذهب إلى مستويات تاريخية مرتفعة مع تزايد إقبال المستثمرين والبنوك المركزية على اقتنائه كوسيلة للتحوط من المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية.
ومن الملاحظ أن ضعف الدولار لم يؤثر سلباً في سوق الأسهم الأمريكية، بل تزامن مع تسجيل مؤشرات رئيسية، وفي مقدمتها مؤشر داو جونز الصناعي، مستويات قياسية جديدة. ويعود ذلك إلى أن انخفاض قيمة الدولار يعزز القدرة التنافسية للشركات الأمريكية متعددة الجنسيات ويرفع قيمة إيراداتها الخارجية عند تحويلها إلى الدولار. كما دعمت توقعات خفض أسعار الفائدة شهية المستثمرين نحو الأسهم، إلى جانب الأداء القوي لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التي قادت موجة الصعود في الأسواق العالمية. ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية وشيكة للدولار يبقى مبالغاً فيه. فما زال الدولار يشكل العمود الفقري للنظام المالي العالمي، وما تزال الولايات المتحدة تمتلك أكبر وأعمق الأسواق المالية وأكثرها سيولة، كما أن التجارة العالمية وأسواق الطاقة والتمويل الدولي لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على العملة الأمريكية.
لكن ما نشهده اليوم قد يمثل بداية مرحلة جديدة من التوازن النقدي العالمي، تنتقل فيها الأسواق تدريجياً من نظام أحادي الهيمنة إلى نظام أكثر تنوعاً وتعددية في مراكز القوة المالية والاحتياطية. ولذلك لم يعد السؤال: هل سيفقد الدولار مكانته غداً؟ بل إلى أي مدى ستتراجع هيمنته خلال العقد المقبل، وما حجم الحصة التي ستنتقل إلى الذهب والعملات الأخرى والأصول البديلة؟
إن مستقبل الدولار سيتحدد وفق مجموعة من العوامل المتراكمة تشمل مستويات الدين الأمريكي، والسياسات النقدية، ومعدلات النمو، والثقة الدولية بالمؤسسات الأمريكية، إضافة إلى تطور البدائل المالية المنافسة. وإذا كان الذهب يعكس مستوى الثقة بالنظام النقدي العالمي، فإن الأسهم الأمريكية تعكس ثقة المستثمرين بقدرة الشركات الأمريكية على تحقيق النمو.
ومن هنا يمكن القول إن الدولار الأمريكي لا يواجه أزمة وجود، لكنه يمر باختبار تاريخي لقدرته على المحافظة على المكانة الاستثنائية التي تمتع بها لعقود طويلة، وستكون نتائج هذا الاختبار من أبرز العوامل التي سترسم ملامح الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة