تسنى لي خلال عطلة عيد الأضحى المبارك زيارة أكثر من مدينة في دولتنا الحبيبة، وكان من الطبيعي زيارة مراكز التسوّق التي لم تعد مكاناً للتبضّع وشراء المستلزمات، بل مكاناً ثقافياً وترفيهياً، وواحة لإظهار المشاعر الاجتماعية والوطنية النبيلة. وسرّني أن أرى تلك الأمكنة مزدحمة بأبناء وطني على وجه الخصوص وأبناء الجاليات المقيمة في دولتنا الحبيبة الإمارات العربية المتحدة، وحين نفاضل فإن المعنى الذي نقصده لن يكون إلا إيجابياً، إذ سررت لوجود الأعداد الغفيرة من الإماراتيين، ولهم ما يميزهم رجالاً ونساءً، وهو مشهد بالنسبة لكاتب له معانٍ كبيرة، خاصة ونحن ما زلنا نمر في مرحلة التعافي والعودة بسرعة إلى الحياة الطبيعية. وهذا الإحساس أول ما انتابني وأنا أشاهد المجموعات الكبيرة تقصد أماكن التسوّق، وهذا دليل واضح على أننا قطعنا مشواراً كبيراً في مرحلة التعافي.
ولو قارنّا الشعب بالفرد العادي الطبيعي الذي تعافى بسرعة من وعكة ألمّت به، لقلنا إن هذا الفرد يتميز ببنية قوية ومناعة جبارة مكّنته من التعافي السريع، وكذلك الشعب، لديه هذه البنية وتلك المناعة القويّة التي جعلته يتعافى بسرعة. لكن بنية ومناعة الشعب تختلف عن مناعة وبنية الأفراد، خاصة في (الوعكات) السياسية، فالمناعة الجماعية هي ممارسة قصوى للولاء والانتماء، والإيمان بحكمة القيادة في إدارة الأزمات، وترجمة كبرى للأفكار الكبرى أيضاً، ومنها فكرة الاتحاد التي تترسخ يوماً بعد يوم، وتظهر قوتها ونضارتها في الأزمات، وقد حدث التعافي السريع نتيجة القناعة الكبيرة بالمبادئ الأصيلة التي قامت عليها فكرة الاتحاد، وكانت الأزمة اختباراً دقيقاً لها.
ماذا يعني وجود آلاف من الأسر في مراكز التسوق، ومثلها في المنتجعات ومراكز الترفيه المحلية؟ إنها تعني بكل بساطة أن الناس اختاروا البقاء في البلاد على السفر إلى الخارج، ليس لأي سبب سلبي، وإنما للتأكيد على عمق الترابط وقوة الوشائج التي تصل بين الشعب والوطن. واختيار البقاء هذا، قناعةُ كبار وصغار، نساء ورجال، ما يدل على إجماع وطني شامل، وإن لم يكن مخططاً له مسبقاً، وإنما الفطرة تسبق الفكرة أحياناً، والتعلّق الفطري يسبق التعلّق الأيديولوجي والشعارات، فكان المشهد ترجمة حقيقية، ونتيجة امتحان مذهلة للمبدأ والفكرة والشعار.
صحيح أن الإدارة العبقرية للأزمة جعلت كل من يقيم في الإمارات آمناً مطمئناً، لكن المشهد ما بعد التعافي أكّد سلامة التوجّه والإدارة، وكأن الناس انتهزوا عطلة العيد ليثبتوا أن الإمارات العربية المتحدة قوية، واقتصادها متين، وتآزرها الاجتماعي أقوى مما كان، وسيزداد قوة في الأيام القادمة.
ولو وسّعنا المشهد أكثر فسنجد أن الأسطول الجوي الإماراتي بكل شركاته، عاد للعمل في كل الوجهات، وفي كل الاتجاهات، وعاد (الضجيج) إلى المطارات أجمل مما كان، وهذا يعني أن الإمارات فتحت أذرعها من جديد لتحتضن العالم، وتستقبله على أرضها، ونقلت سفراءها من جديد إلى العالم، ولا نعني هنا الدبلوماسيين، ولكن، كما اعتاد الإماراتي أن يكون دائماً، سفيراً لبلاده، في حلّه وترحاله، وهو مشهد يزيد الوهج توهّجاً، والنضارة إشراقاً، والصفاء ألوان أقواس قزح، وعادت الإمارات كما كانت وجهة فضلى عالمية، للعمل والسكن والاستثمار.
أما الفرحة العاطفية والأمنية والاجتماعية فقد لمستها على وجوه الناس من كل الأجناس، وهي فرحة العودة إلى الأمن والأمان. إن ما نذكره ليس عبارات بلاغية أو إنشائية، إنها ترجمة لمشاهد أكبر من العاطفة والسياسة وصولاً إلى الانتماء الحقيقي الأصيل، والإيمان بالطاقة الإيجابية والقدرة على التعافي.
لقد دمعت عيناي حين سمعت قصة أحد الأصدقاء العرب، وهي قصة حديثة جداً، قال لي إنه سافر وعائلته إلى أوروبا خلال عطلة العيد، وكانت رحلة عمل واستجمام، وشاهد جمال الطبيعية في الخارج، من غيوم تعلو الجبال وشلالات وأنهار وغابات، وكان سعيداً جداً، لكنه في اللحظة التي دخل ردهة الإمارات (اللونج) في أحد المطارات الأوروبية، وشم رائحة البخور وشاهد ملامح الطبيعة على الديكور، شعر بطمأنينة عجيبة وراحة نفسية داهمته وكادت أن تدمع عينيه، كأنه عثر على ضالته وواحته بعد طول مسير، وقال إن المشاهد الطبيعية الخلابة التي شاهدها، لم يكن أثرها كأثر دخوله عالم الإمارات، حتى وهو في مطار آخر، أما حين وصل إلى أرض الدولة، فكان إحساسه أنه عاد، وأخيراً، إلى البيت/ بما تعنيه كلمة بيت من أمن وأمان وسكينة وطمأنينة وهدوء وراحة بال. قال لي بالحرف الواحد، إن شئنا أن نقدّم تعريفاً للوطن، فإن ما شعر به لحظة دخوله الردهة، ولحظة وصوله إلى البلاد، هو تعريف الوطن، من دون بلاغة ولا لغة جمالية. ذلك الشعور الذي يصعب التعبير عنه هو الوطن. فحمدت الله على نعمه.
وبدوري، وعودة إلى أول الحديث، فإن رؤية تلك الحشود وهي سعيدة ومطمئنة وبصحة وعافية اجتماعية ووطنية، تلك الرؤية تحمل معنى الوطن، وأبعاده، من دون تنظير أو تفلسف، إنه التمسك بالمكان كأنه آخر قطعة على الكرة الأرضية، كأنه المكان الوحيد الناجي.
..وكل عام والإمارات بخير.
