هل يجوز في الشأن العام أن تقول: «للصبر حدود»؟ اختلفت الآراء والمواقف. من قائل بعدم جواز الاقتداء بالمطربين، حتى لو قالوا صواباً. وقيل إن المحظور رفع الصوت بذلك، ولو كان صيحةً في وادٍ، أو رأياً سديداً لا يصغي إليه أحد. لكن، لا حرج على التفكير بصوت عالٍ أو همساً في بئر. وأباحوا الجهر إذا اقتصر الاجتماع على شخص واحد. وأسهبوا وأطنبوا في بحث ما إذا كان ممكناً أن يكون للشأن العام، شأن.
قد يلوح لك هراءً التشكيك في شأن الشأن العام. لعلمك الخاص، ميراثنا في هذه المسألة تهميشي إهماليّ. في التصوف، لا يجوز اطلاع العامة على الأسرار. لهذا جاءت نصوص العرفاء رمزيّةً شعراً ونثراً. يقول جلال الدين الرومي: «في هذا السّجلّ دفق رموز غامضة، فماذا لو عرفتَ شيئاً من هذه الرموز؟» قواميس المصطلحات الصوفية كثيرة. قصة الأسرار ألوفيّة السنين، أقدم من أسرار الكهّان في معابد مصر القديمة. الطريف أن أصنافاً من المعلومات العامة في عصرنا، كانت في القرون الخالية، أسراراً لا تصل إليها العامة. «كليلة ودمنة»، كان في الهند القديمة من الكنوز السرية في مكتبة الملك. حصول ملك الفُرس عليه، تطلب خطة جاسوسية مُحكمة، نفّذها أمير بإمكانات ضخمة، قرّبه الملك وعهد إليه بأمانة المكتبة، فاستنسخ الكتاب.
مؤلفات أسرار البلاغة كثيرة، أشهرها رائعة عبدالقاهر الجرجاني: «أسرار البلاغة». لا أحد يتّهم أبا العلاء بأنه أقصى%99 من العرب وحرمهم متعة قراءة «رسالة الغفران» بيسر.
أمّا أبو تمّام، فقد أضفى على رأيه سخريةً لاذعةً: «إن شئتَ أن يسْودَّ ظنك كلهُ.. فأجِلْهُ في هذا السواد الأعظمِ».
أبو منصور الثعالبي له كتاب ظريف: «خاص الخاص». العنوان منفوش الريش، فالمحتوى مقتطفات لمجموعة كبيرة من الشعراء والأدباء.
صار الشأن العام متاهةً للقلم. كانت الغاية: هل يجوز للعربي التدخل في ما يعنيه؟ إلى أين يسير العالم العربي؟ هل يمكن أن يكون مئات الملايين، راضين عمّا يفعله بهم العتاة القساة؟ إذا كانت للدول تحقيقات قيمة، تتمتع بنزاهة معقولة، فللأنظمة قطعاً أدوات استشعار ومقاييس حرارة، أم أن الليل حالك، والبيداء بلا مسالك فدونك والمهالك؟
لزوم ما يلزم: النتيجة الوخزيّة: المأساة هي أن العالم العربي لا يعرف غده. الآخرون يرسمونه.
