عندما توضع الحرب الدائرة في أوكرانيا في ميزان الخسائر البشرية والمادية قد لا تساوي كثيراً أمام ما تشهده صراعات أخرى من عشرات أو مئات الضحايا يومياً ودمار واسع للمدن والقرى مثلما جرى في لبنان وقبله في قطاع غزة على يد آلة العدوان الإسرائيلية، إلا أن تلك الحرب تظل الأشد خطراً على الاستقرار العالمي، فهي مفردة بصيغة الجمع تتبارى فيها القوى المختلفة على تقاسم النفوذ وإمدادات المعادن النادرة والمصالح الجيوسياسية.
سياسة الأرض المحروقة، التي برعت فيها تاريخياً، القوات الروسية في العهدين القيصري والسوفييتي وحتى حرب الشيشان في التسعينيات، لم يتم اتباعها في معركة أوكرانيا، بل تصر موسكو على تسميتها «عملية عسكرية خاصة»، وهي مفتوحة إلى أجل غير مسمَّى حتى تحقيق أهدافها التي تتغير بحسب المعطيات الموضوعية للمعركة وبناء على مواقف خصوم روسيا الأوروبيين وتقلبات السياسة الأمريكية. ومن هذا المنطلق فإن محاولة وضع إطار لهذه الحرب لا يبدو ممكناً، إذ تتداخل فيها أبعاد معقدة تجعل من الصعب حصرها في قالب واحد، كما يصعب تحديد سقف لمداها الزمني أو حدود لتوسعها الجغرافي.
في هذا التوقيت، ومع دخول الحرب عامها الخامس، لم يعد الصراع مجرد نزاع حدودي أو ديمغرافي، بل تحول إلى «حرب استنزاف عالمية» تنخرط فيها كل القوى الدولية من الولايات المتحدة إلى الصين والمعسكر الغربي كله. ورغم محدودية الخسائر مقارنة بالقدرة المفترضة على التدمير، أصبحت الجبهة الأوكرانية ساحة اختبار لمنظومات التسلح والاستراتيجيات العسكرية وحروب الذكاء الاصطناعي بين القوى العظمى. وفي الوقت الذي تتلقى فيه كييف أحدث ما تملكه الترسانات الغربية من تكنولوجيا عسكرية ومساعدات استخباراتية حية، تواصل روسيا امتحان جاهزيتها لصراعات أوسع عبر تجريب ما تنتجه من معدات وأسلحة متقدمة وصواريخ فرط صوتية ومنظومات الحرب الإلكترونية فائقة التطور، وهي تفعل ذلك بالتنسيق الكامل، سراً وعلناً، مع الصين وحلفائهما. ووفق هذه الصورة فإن رؤية نهاية قريبة لهذه الحرب، عميقة الأبعاد ومتعددة الفواعل، لا تبدو واقعية تماماً.
النتائج الأولية لهذا الصراع الممتد منذ 1560 يوماً أن أوروبا، الداعم الأساسي لكييف في مواجهة موسكو، قد أصابها الإرهاق السياسي والاقتصادي نتيجة الكلفة المالية الباهظة لدعم أوكرانيا وعدم استسلام روسيا كما راهنت العواصم الغربية عند اندلاع الأزمة. أما الولايات المتحدة، وهي لاعب أساسي في هذه الحرب، فقد ارتبك موقفها بين مقاربتي إدارتي جو بايدن ودونالد ترامب، ومثلما فشلت سياسة بايدن القائمة على الدعم المطلق والتسليح النوعي لكييف، فشل ترامب أيضاً في سياسة الاحتواء والتقدم إلى ساحة المعركة وسيطاً و«رجل سلام». ومن الواضح أن الموقف الأمريكي المتقلّب قد أثر بشدة في معسكر «الناتو» الداعم لأوكرانيا، بينما لم يتزحزح الموقف الروسي، ولم يُبدِ مرونة رغم استمرار الضغط والخسائر والعقوبات.
النزاعات المعاصرة لم تعُد تقاس نتائجها بالمعايير التقليدية مثل سرعة الإنجاز والتوغل في أراضي العدو أو عدد الجنود القتلى في الميدان، بل أصبحت تُقاس بمدى القدرة على إرهاق جميع الأطراف دون اللجوء إلى الضربة القاضية. وعند محاولة تصنيف الحرب الدائرة في أوكرانيا، فإن أول ما يلاحظ أنها غير تقليدية، وهي من جنس «الحروب الرمادية»، التي تعتمد أسلحة مبتكرة وقليلة الكلفة والخسائر أيضاً، ولكنها بعيدة الأثر وتضرب في العمق الأسس القائمة وتعمل خطوة خطوة لإعادة تشكيل نظام عالمي جديد لا يشبه ما سبق.
