ثمة مؤشرات كثيرة تؤكد أن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المرتقبة في تركيا، ستكون مفصلية في تاريخ هذا المعسكر الغربي، الذي أثخنه التوسع، وتسربت إليه الانقسامات، ويواجه تهديدات غير تقليدية تتحدى ما يمتلكه من ترسانات أسلحة فائقة التقدم، وموازنات طائلة لا سابق لها في التاريخ، لكنها باتت تفقد ريادتها في حروب المستقبل.
الظروف الدولية المستجدة على حدود «الناتو» لم تعُد طبيعية. وعلى الرغم من هالة السطوة التي يحيط بها نفسه، ويسبغها على دوله، باتت قوة الحلف الأسطورية تتآكل أمام تحولات، مرعبة ومستجدّة، منها الحرب الروسية الأوكرانية، والصراع المباشر الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، وشيوع استخدام الطائرات المسيّرة، التي استباحت الأجواء الأوروبية، واخترقت الحصون الأمنية في العواصم الكبرى، وحوادث قطع كابلات الإنترنت البحرية في بحر البلطيق، واستهداف أنابيب الغاز ومحطات الطاقة الأوروبية عبر عمليات تخريبية، مجهولة الفاعل، وكلها تطورات تدل على أن التحديات المقبلة تبدو أكثر تعقيداً، وقد تتهاوى أمامها كل النظريات والاستراتيجيات الدفاعية المتوارثة، منذ نحو ثمانية عقود.
بعد انهيار حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، وجد «الناتو» نفسه أمام فراغ استراتيجي، دفعه إلى اختراع عقيدة جديدة تبرّر استمرار وجوده، وهي عقيدة فضفاضة لا تنصّ على عدو محدّد، بل تستهدف بنكاً واسعاً من الخصوم والأهداف، وأغلب تعريفاتها وهوياتها آنية، وليست ثابثة، فتارة يحارب الإرهاب الدولي، والحروب السيبرانية، وطوراً يواجه انتشار أسلحة الدمار الشامل، وأحياناً يتحدث عن خطر روسي، وآخر صيني. وبكلمة أشمل، أصبح كل من يهدّد مصالح الحلف خصماً تجوز محاربته. ومع التوسع الجغرافي للحلف وتفاقم التهديدات، استجدت أمام دوله معضلات معقدة، منها تباعد الرؤى السياسية والانقسامات الداخلية حول أولويات الأمن، والموازنات الفلكية، وتفاقمت كلها، دفعة واحدة، مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ تباينت مواقفه مع مواقف زعماء الحلف الآخرين، فبينما تنظر العواصم الأوروبية إلى الحلف بوصفه مظلة أمنية وجودية، وضمانة للاستقرار الجيوسياسي، يتبنى ترامب مقاربة نفعية وحسابية صارمة تُخضع الالتزام ببند الدفاع المشترك بدفع الأعضاء حصصهم المالية، ورفع الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي. وبهذا المنطق يكاد الحلف يتحول من تكتل أمني إلى مشروع استثماري يعود بالنفع على شركات السلاح، وأقطاب التكنولوجيا المتقدمة. وهذا التوجه لم يعُد خافياً، بل تجسده الأرقام والقرارات الصادرة عن الحلف، فالضغط المستمر لرفع الإنفاق العسكري تقضي خطته إبرام عقود تسليح ضخمة تذهب حصة الأسد منها إلى المجمع الصناعي العسكري الأمريكي. ومع انكشاف هذه النوايا بدأت تتعالى الأصوات في أوروبا لتحقيق الاستقلال الدفاعي، وإحياء الصناعات العسكرية بين الدول الكبرى، مثل فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا.
في ظل هذا المأزق المتعدد المستويات ستنعقد قمة أنقرة التي ستكون منصة اختبار عسيرة، ومحطة إجبارية لإعادة ضبط البوصلة، أو مواجهة المجهول، بما يحمله من تفكّك وانقسام، وقد يقوده ذلك إلى «موت دماغي» فعلي، كما توقع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قبل سنوات، أو يتحول إلى «نمر ورقي» كما وصفه ترامب، معرباً عن إحباطه من الحلف لتخلّيه عن واشنطن في المواجهة مع طهران.
