منذ البداية، تعاملت الحركة الصهيونية مع الهجرة العكسية باعتبارها تهديداً استراتيجياً يطعن في جوهر الفكرة التي تقوم على عودة اليهود إلى أرضهم التاريخية وبناء دولة يهودية آمنة ومزدهرة. تيودور هارتزل ورفاقه تصوروا «أرض الميعاد» ملاذاً نهائياً لا رجعة عنه. فكانت أي محاولة للمغادرة أو العودة إلى الشتات تُعد خيانة لمشروع «الخلاص القومي». ولطالما كانت أعداد كثيرة تصل وتُحبَط عندما تكتشف أنها ليست«أرضاً بلا شعب» وليست آمنة. لكن العودة لم تكن سهلة.. واجه المُعارضون رفضاً سياسياً وإعلامياً للهجرة العكسية. لكن الهجرة العكسية توالت خاصة في السنوات الأخيرة باتجاه أوروبا وأمريكا وكندا. مما حدا بالإعلام الإسرائيلي الى تنظيم حملات مثل: «عد الى الوطن» وتوفير امتيازات مالية للمهاجر العائد. الصهيونية تعتقد أن الهجرة العكسية تؤثر في أهمية فكرة الدولة اليهودية وتقوّض رواية «الأمن والازدهار» التي تبنّتها. تلك الهجرات كانت تُقلق الحركة الصهيونية وتسعى جاهدة لمنعها والحد منها، إلا الهجرة الى قبرص.. هنا يبرز السؤال الأهم لماذا قبرص؟
لوحظ في الفترة الأخيرة تكاثر عدد المهاجرين الى جزيرة قبرص بمباركة واضحة من الحكومة الإسرائيلية ودعمها، ليس هرباً من الحرب فقط، وليس لأنها اليوم أكثر أماناً، وقريبة بحيث تسهل العودة. الأمر هنا يختلف؛ إذ إن معظم المهاجرين استقروا نهائياً وأعلنوا أنهم لا يفكرون في العودة.
وتشهد قبرص هذه الأيام تزايداً بأعداد الزوار من إسرائيل وأكثرهم اشتروا عقارات وتملكوا أراضي وأسسوا لهم مجتمعاً خاصاً. فأصبحوا كما سمتهم القناة الـ (11) الإسرائيلية «مستوطنة قائمة بذاتها». كل ذلك وسط دهشة ورفض، «كان صامتاً» وأصبح اليوم «مُعلناً» من الحكومة القبرصية. حيث كشف تقرير في إحدى الصحف القبرصية عن تصاعد عمليات الشراء للمنازل والعقارات من قبل الإسرائيليين، وقالت صحيفة «بوليتيس» القبرصية في تقريرها الذي جاء تحت عنوان (لماذا يشتري اليهود الأراضي في قبرص؟) يبدو أنّ هناك توجّهاً مُنظماً لإيجاد موطئ قدم مُستقِر للإسرائيليين خارج إسرائيل. وبحسب الصحيفة، بالإضافة إلى ازدياد أعداد المهاجرين، لوحظ تنامي أنشطة حركة «حباد» اليهودية التي باتت تُشرف على بُنية مؤسساتية واسعة تشمل كنيساً يهودياً و(مغطس ديني) وروضة للأطفال ومقبرة خاصة، فضلاً عن مركز لإصدار شهادات الكوشر (الطعام الحلال) اليهودي ومرافق لتنظيم الأنشطة الصيفية.
وأشار التقرير إلى أن بعض المناطق القبرصية تشهد تجمعات إسرائيلية تتجاوز الطابع الفردي أو السياحي، وتقترب من تشكيل نواة مدينة مُتكاملة، اجتماعياً ودينياً وخدماتياً. وكان الحزب التقدمي للشعب العامل «أكيل»، قد حَذّر مؤخراً من عمليات استحواذ لأراضي الجزيرة من قبل مواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي. وأشار (ستيفانوس ستيفانو) الأمين العام للحزب الأكبر في قبرص، الى أن الإسرائيليين يشترون الأراضي بشكل غير خاضع للرقابة، وحذر من تنامي هذه الهجرة، ومن أنهم يشترون عقارات في مناطق تُهدد الأمن القومي للجزيرة».
وخلال لقاء صحفي مع إذاعة (سي بي سي) المحلية قال:«لأن قبرص دولة صغيرة وتقع في منطقة مضطربة.. سنواصل التحذير بضرورة اتخاذ خطوات حاسمة.«مضيفاً: «في السنوات الماضية، ومع ازدهار قطاع البناء، لوحظ تزايد عمليات شراء العقارات من قبل إسرائيل. وتساءل كيف أن دولاً أكبر بكثير فرضت قيوداً على بيع العقارات للأجانب من خارج الاتحاد الأوروبي بهدف حماية أراضيها، وأيضاً لمنع ارتفاع الأسعار. بينما قبرص لا تتحرك». موضحاً: «أن الشراء قد ازداد وتم إنشاء مناطق مُغلقة (مجتمعات مُسيّجة) يكاد يكون من الصعب الوصول اليها إلا من قبل المواطنين الإسرائيليين وأكد بأن هذا وضع لا يمكن السكوت عليه. أما الإسرائيليون كالعادة يرون في هذه التصريحات«معاداة للسامية»، مما يُعّمِق الشرخ بين المجتمعين القبرصي واليهودي. وأخيراً عندما نسأل لماذا قبرص وهي ليست ضمن خريطة إسرائيل الكبرى؟ يضيع الجواب بين أكثر من سؤال:
ربما لأن إسرائيل تريد من قبرص أن تكون قاعدة مُتَقدمة ل «تمدد ناعم» نحو أوروبا والشرق الأوسط، لذلك تُكوّن مجتمعاً يهودياً موالياً لها يخدم هذه الرؤية؟ أو ربما بسبب وجود قواعد موالية لها أمريكية وبريطانية؟ أو ربما بسبب علاقتها المُهتزّة مع قِسمها التركي ما يجعلها أكثر قابلية لاستقبال أعداد كبيرة من الإسرائيليين لضمان حمايتها؟ أو ربما لكونها عضو في الاتحاد الأوروبي؟ الأجوبة تبدو كأسئلة كثيرة ومحيّرة. لكن الجواب الواضح، ستحمله الأيام القادمة.
*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية
