لم يتفق المحللون، على تقييم موحَّد لنتائج زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين منتصف أيار/مايو، وهناك تباعُد بين مجموعة من الرؤى التي تناولت تفاصيلها، لكن المُعطيات المتوافرة حول قمة بكين، تُشير إلى أن الزيارة مهمة بكل المقاييس، وهي تُشبه إلى حدٍ كبيرٍ زيارة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون في عام 1972 التي أنهت قطيعة 25 عاماً، وأسست لمرحلة طويلة من تنظيم الخلافات، ولمُساكنة سياسية وتجارية.
الساحة مفتوحة اليوم أمام البلدين الكبيرين ليتربعا على عرش الاستقطاب الدولي -سواء كان هذا الاستقطاب ثنائياً أو أكثر من ثنائي- فالولايات المتحدة تملك أكبر اقتصاد في العالم، والصين هي الثانية من بعدها في المجال ذاته، والمؤكد أن حجم القوة الخشِنة والإنفاق العسكري للأولى هو الأعلى في العالم، والإنفاق الحربي الصيني أصبح ثانياً، برغم القدرة النووية والصاروخية الروسية الهائلة، والطريق مُعبَّد أمام الصين للولوج إلى مكانة عالمية أكثر تأثيراً مما هي عليه اليوم، بسبب إخفاقات الولايات المتحدة في بعض المجالات، ولانشغال الأقطاب الآخرين، لا سيما الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي في همومٍ، أو مهام، تُعيق متابعتهم الحثيثة لما يجري على الساحة الدولية، وهؤلاء مُستهدفون من الاندفاعة الترامبية على كُل حال.
من البديهي اعتبار زيارة الرئيس ترامب للصين محاولة جدية لتقاسُم النفوذ في الأماكن الحساسة من الكرة الأرضية، وبرودة الأعصاب السياسية الصينية تُغري واشنطن بالاندفاع نحو حوار قد يساعدها على تنفيذ أجندتها المرسومة، وفي المقدمة من هذه الأجندة، كبح الارستقراطية السياسية والاقتصادية الأوروبية، ذلك أن ترامب يفترض أن «القارة العجوز» تأخذ نصيبها بأكثر مما تستحق من الحصاد الاستراتيجي والمالي العالمي، وحان الوقت لتطويع -أو تحجيم- هذا الدور، خصوصاً أن هذا الدور لا يُطيع الإدارة الأمريكية في بعض المحطات.
كان يمكن تأجيل زيارة ترامب لبكين بسبب حربه مع إيران، ولكن يبدو أنه أصرَّ عليها لاستثمارها في هذه الحرب، وبالفعل فقد طلب ترامب من الرئيس تشي جين بينغ المساعدة في الضغط على إيران لتسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما يُجنِّب العالم خطر امتلاك طهران لقنبلة نووية كما قال، وسيكون ثمن ذلك تأمين فتح مضيق هرمز أمام التجارة الصينية من دون أي عوائق، لا سيما مرور الحاجات النفطية الضرورية، لكن المعلومات غير المنشورة تُفيد بأن تشي رفض لعب دور الضاغط على إيران، ولم يتجاوب مع الطلبات المذكورة، برغم أنه أغدق الوعود الوردية على ضيفه اللدود، من خلال عقد صفقات تجارية كبيرة، ومنها شراء 250 طائرة بوينغ حديثة.
لا ترفض الصين التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال، ولكنها لا ترغب في عقد تعاون ثنائي يظهر كأنه صفقة لتقاسُم النفوذ في العالم، لكن ذلك لا يعني عدم حصول تفاهمات غير عادية خلال القمة، ومنها تخفيف التعاون بين الصين وشركاء لها في القارة الأمريكية.
هناك تباين كبير بين الرؤى الصينية والرؤى الأمريكية حول تسهيل كامل مراحل خطة «مونرو» ذلك أن بكين تريد من الولايات المتحدة تخفيف منسوب دعمها للحلفاء في شرق آسيا، وهذه الدول زادت من منسوب موازناتها الدفاعية، بما يُقلِق الصين، وواشنطن تدعم هذا التوجه لدى حلفائها، وهي ترتبط باتفاقية دفاعية خاصة مع اليابان، تفرض معاملتها كأنها دولة عضو في الناتو، ويبدو أن الطلب الأمريكي بتجفيف الصداقة بين الصين والدول الأمريكية، يقابله طلب صيني بتجفيف هذه الصداقة بين واشنطن ودول شرق آسيا، والطلبان من الصعب تطبيقهما في الظروف الحالية، والإشارة إلى هذه الاستحالة كانت واضحة من خلال الإعلان عن زيارة للرئيس تشي إلى بيونغ يانغ.
لقد حافظت الصين على احترام حلفائها، ودعمت دورهم في عمليات التفاوض، كما أنها تُقدم لهم أحدث التكنولوجيا العسكرية. بينما واشنطن لا تدعم بمثل هذا المنسوب سوى إسرائيل.
