تخيل هذا السيناريو الذي يتكرر كثيراً، تجلس في هدوء، وفجأة يهتز هاتفك ليعلن وصول رسالة، تفتحها لتجد نفسك أمام جدار ضخم من نص رسالة عتاب طويلة معقدة، ومشحونة بسنوات من المواقف المتراكمة، وتحتمل في جوهرها مئة تفسير وتفسير، في تلك اللحظة، يصاب أغلبنا بنوع من الحيرة أو الارتباك العاطفي؛ هناك خوف من سوء الفهم، وخوف أكبر من عواقب الرد السريع الاندفاعي، وبدلاً من المواجهة المباشرة، يتم التوجّه لحيلة رقمية، ينسخ الرسالة بالكامل، ويلصقها في محادثة مستعجلة مع الذكاء الاصطناعي، مذيّلة بسؤال قلق: «حلّل هذه الرسالة، ماذا يقصد بدقة؟ وكيف أرد بأقل الخسائر الممكنة؟»
هنا تحديداً، وبشكل غير معلن، يتنازل الإنسان عن جزء من سيادته الإنسانية ليمنح الذكاء الاصطناعي دوراً غريباً: دور «كاتب العدل العاطفي» أو المصلح الاجتماعي الصامت، نحن لا نبحث في الآلة عن مشاعر أو طبطبة، بل نبحث عن «ممتص للصدمات»، عندما نتلقى عتاباً من شريك أو صديق مقرّب، تقع عقولنا فوراً ضحية لما يسميه علماء النفس «انحياز السلبية».
الروبوت، يقرأ النص ببرود تام، ويجرده من «الدراما الزائدة»، ويفكك العُقَد اللغوية الملغومة ليقدم للمستخدم لُبّاً عقلانياً جافاً ومفهوماً: «هو يعاتبك لأنه يشعر بالإهمال، وليس لأنه يريد إنهاء العلاقة».
هذا الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا يضعنا أمام مفارقة سلوكية لافتة ومرعبة في آنٍ واحد، نحن نعيش في العصر الأكثر تقدماً في تاريخ البشرية من حيث وسائل وتطبيقات التواصل، لكننا في الوقت ذاته، نبدو عاجزين عن فهم رسالة من شخص واحد نحبّه ونعرفه جيداً، عندما نترك للآلة مهمة تفكيك نصوصنا الشخصية، فإننا نرفع عبء المسؤولية العاطفية عن كاهلنا؛ فالآلة لا تحكم بالعدل ولا تملك قلباً، لكنها توفر دليلاً إرشادياً سريعاً يساعدنا على تجاوز صدمة القراءة الأولى، وتصوغ لنا كلمات منمّقة ودبلوماسية للرد دون إشعال حريق جديد في العلاقة.
إن هذه الآلة، التي تُتقن تصنيف الكلمات، وتلخيص الشكاوى، واختصار النصوص بدقة متناهية، تفتقر في النهاية إلى الروح، وإلى «الخلفية التاريخية» التي تجمع بين شخصين، الآلة لا تعرف كم من المرات ضحكتم معاً، ولا تدرك حجم التنازلات غير المكتوبة بينكما، قد تنجح التكنولوجيا في فك شفرة الرسالة بدقة، لكن قرار الغفران الحقيقي، ونبرة الصوت الدافئة والخجولة أثناء الاعتذار، والقدرة العفوية على احتواء حزن الصديق أو الشريك، ستبقى دائماً وأبداً مهامّ بشرية خالصة لا يمكن أتمتتها أو اختصارها في سطر برمجي.
