الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مؤشرات لإمبراطورية بديلة

12 يونيو 2026 01:26 صباحًا | آخر تحديث: 12 يونيو 01:26 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
الخبراء الذين لفت انتباههم تدافع مؤشرات تفصح عن أفول للنظام العالمي أحادي القطبية، ومعه بالطبع الزعامة الأمريكية الأحادية لهذا النظام، أخذهم الاهتمام إلى دراسة وتحليل أسباب سقوط الإمبراطورية البريطانية، وكانت أهم استنتاجاتهم هي تلك القاعدة التي تقول إن القوى العظمى نادراً ما تسقط بسبب هزيمة عسكرية مباشرة، بل بسبب الإفراط في التوسع، والانخراط فى صراعات هامشية تستنزف مواردها، وتمنعها من التركيز على مصادر قوتها الأساسية، وهي القاعدة نفسها التي استخلصها المؤرخ والمفكر السياسي الأمريكي بول كندي، في مؤلفه عن «صعود وسقوط الإمبراطوريات».
الوعي بهذه القاعدة وجد له أصداء في العاصمة الصينية بكين مرّتين، المرة الأولى عند زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصين، والمرة الأخرى عند زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد أربعة أيام لبكين، عقب مغادرة ترامب لها، في زيارة امتدت ليومين. في المرة الأولى نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» اهتمام الصحافة الصينية بظاهرة استنزاف الحرب الطاحنة الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، بشدّة، لقوة النيران الأمريكية، لدرجة تشكيك الصينيين علناً في قدرة واشنطن على الدفاع عن تايوان، وبحقيقة كشف هذه الحرب عيباً كبيراً في استراتيجية الحرب الأمريكية هو «عدم قدرة الولايات المتحدة على صنع الأسلحة بالسرعة الكافية لتجديد ترسانتها في صراع مستمر ومكثف»، لدرجة ترويج المعلقين الصينيين، حسب ملاحظة «نيويورك تايمز» لفكرة أن «القوات الأمريكية لم تعُد قادرة على الدفاع، بفعالية، عن تايوان، إذا خاضت الولايات المتحدة والصين حرباً حول هذه الجزيرة»، وأن تحديات سلسلة توريد الذخيرة الأمريكية التي كشفت عنها الحرب الإيرانية «لم تمنح بكين ميزة مادية فحسب، بل أيضاً ميزة نفسية في أي حرب محتملة حول تايوان». والخلاصة، كما كتبها «هو شيجين» المحرر المؤثر السابق لصحيفة «جلوبال تايمز» الصينية، هي أنه إذا لم يتمكن الجيش الأمريكي من نشر أسلحة في جميع أنحاء العالم فسيكون «عملاقاً أعرج».
في المرة الثانية كان هذا الوعي ليس مجرّد استخلاص لنتائج أو لمؤشرات عن تداعي الإمبراطورية الأمريكية، بل كان تأسيساً لحقائق استراتيجية قاعدتها الشراكة الاستراتيجية الصينية – الروسية، كقاعدة لصعود قيادة عالمية بديلة، أو على الأقل، لقيادة قادرة على منافسة القوة الأمريكية، عبر ما جرى الاتفاق عليه وتأكيده خلال زيارة بوتين الأخيرة للصين. فما جرى بين بكين وموسكو، خلال هذه الزيارة، تجاوز كثيراً حدود «الشراكة بلا حدود» التي أعلنها الرئيسان الصيني والروسي، قبل سنوات، لأن العالم نفسه تغيّر، فالحرب في أوكرانيا، والحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، والتوتر الصيني ـ الأمريكي المتزايد حول تايوان وبحر الصين الجنوبي، والأزمات الاقتصادية العالمية، التي تصاعدت بحدة في الأشهر الأخيرة بسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز، كلها دفعت القوى الكبرى إلى البحث عن «تحالفات البقاء» لا مجرّد تفاهمات «المصالح العابرة»، وهذا ما حاول الرئيسان الصيني شي جين بينج، والروسي فلاديمير بوتين، في لقائهما الأخير، ترسيخه وتحويله من مجرّد الرؤى والأفكار إلى مستويات السياسات والاتفاقيات، وبالتحديد، النهوض بالشراكة الاستراتيجية الصينية ـ الروسية إلى طموح تأسيس محور عالمي ثلاثي صيني ـ روسي ـ إيراني، يمكن وصفه بـ«الحلف الأوراسي» يربط بين بكين وموسكو، وبين الخليج ومضيق هرمز، والبحر الأحمر، والممرات التي تتحكم في الطاقة والتجارة العالمية، عبر ربط إيران بالشراكة الصينية ـ الروسية.
فالصين تنظر إلى هذا المشروع، بعين الخرائط وخطوط التجارة والطاقة، حيث محورية النفط الخليجي، وحيث النظر إلى البحر الأحمر ليس كمجرّد ممر مائي، بل كطريق استراتيجي لمبادرة «الحزام والطريق». أما روسيا فتنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره «ساحة استنزاف رئيسية للولايات المتحدة»، حيث ترى في التصعيد الأمريكي ضد إيران فرصة لإشغال واشنطن بعيداً عن جبهة أوكرانيا، وإعادة توزيع الضغط العسكري والسياسي الأمريكي، والمزيد من استنزاف القوة الأمريكية.
مشاهد محصلة تلك التفاعلات تحمل، عن جد، مؤشرات تقول إن قوة إمبراطورية تتداعى، وقوة إمبراطورية بديلة تتأسس، حتى ولو كان المسمى الرسمي هو فرض قاعدة التعددية القطبية لنظام عالمي بديل، تلعب فيه كل من الصين وروسيا دوراً أساسياً، من دون إغلاق أبواب صعود قوى عظمى أخرى إضافية، سواء كانت أوروبا أو الهند، وغيرهما من القوى الدولية الوسطى الصاعدة.
الطموح الصيني ـ الروسي إلى فرض هذه التعددية ينبع من قناعة أساسية، هي أولاً تقوية وتكثيف التعاون الصيني ـ الروسي، الاستراتيجي والاقتصادي والعسكري، ومن هنا جاء الحرص الصيني ـ الروسي على الدفع بمشروع «قوة سيبريا – 2» نحو الأمام، لتعويض روسيا عن خسائرها من النفط والغاز بسبب المقاطعة الأوروبية، وتعويض الصين عن إمداداتها من نفط وغاز الخليج، بسبب إغلاق مضيق هرمز، كما تنبع هذه القناعة ثانياً من حتمية التصدي للميول الاستعمارية الأمريكية الجديدة، على نحو ما ورد في البيان الختامي لقمة بكين الأخيرة، بين الرئيسين يشي جين بينج وفلاديمير بوتين، الذي ذكّر بأن «العالم يواجه الآن خطر العودة إلى قانون الغاب».

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة