الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التدمير.. ليس انتصاراً

12 يونيو 2026 00:28 صباحًا | آخر تحديث: 12 يونيو 00:29 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
في لحظات الحروب الكبرى، قد يبدو الدمار كأنه دليل قوة. المدن المحترقة، الجسور المنهارة، والأحياء التي تتحول الى ركام، كلّها تمنح المعتدي شعوراً بالتفوق. لكن التاريخ يروي قصصاً مختلفة تماماً. فالتدمير ليس انتصاراً، والقدرة على الهدم لا تعني القدرة على الفوز.
وعبر القرون، شهد العالم قوى عسكرية امتلكت جيوشاً هائلة، وأسلحة مدمرة، واستطاعت أن تسحق مدناً كاملة، وتبث الرعب في قارات بأكملها، لكنها انتهت الى هزيمة، على الرغم مما أحدثته من دمار.
نابوليون في روسيا 1812، دخل روسيا، ودمّر ما استطاع، وبدا أن سقوط موسكو مسألة وقت فقط، تقدم مئات الجنود الفرنسيين وعبروا الأراضي الروسية حتى وصلوا إلى موسكو. لكن دخول العاصمة لم يكن نهاية الحرب، بل بداية الكارثة. فقد وجدوا مدينة شبه خالية، وقد التهمت النيران أجزاء واسعة منها، وتعرّض جيشه للاستنزاف. وعلى الرغم من وصوله الى قلب روسيا، انتهت الحملة بانهيار «الجيش العظيم» الفرنسي، لتتحول الحملة الى نقطة الانكسار التي قادت لاحقاً الى سقوط نابوليون نفسه، وإجباره على التنازل عن العرش.
ألمانيا النازية، سبّبت دمار أوروبا، ونهاية برلين. ففي الحرب العالمية الثانية اجتاحت ألمانيا معظم أوروبا، خلال سنوات قليلة. دُمرت مدن كبيرة وتَعرضت للاحتلال. دُمِرت البنية التحتية في عشرات الدول، وسقط الملايين من الضحايا. لكن القوة والدمار لم يمنعا النهاية المعاكسة. فبعد سنوات وجدت ألمانيا نفسها مُحاصَرة من الشرق والغرب، وتحولت برلين إلى ساحة قتال، وانتهى النظام النازي بالسقوط الكامل عام 1945. لقد نجحت آلة الحرب الألمانية في التدمير على نطاق غير مسبوق، لكنها فشلت في تحقيق النصر النهائي.
وفي اليابان الإمبراطورية، التي خاضت انتصارات سريعة في بداية الحرب العالمية الثانية، حيث تمدّدت عبر شرق آسيا والمحيط الهادئ بسرعة مذهلة، سقطت مدن وموانئ وقوعد عسكرية عدّة، تحت سيطرتها، وبدت كأنها القوة الجديدة القادرة على تدمير العالم. لكن هذا التوسع العسكري الضخم لم يتحول الى انتصار دائم. فمع طول أمد الحرب واستنزاف الجنود، خسرت اليابان مواقعها الواحد تلو الآخر، وانتهت الحرب باستسلامها عام 1945، بعد دمار واسع أصاب مدنها واقتصادها. كانت قادرة على التدمير لكنها لم تحسم الحرب بانتصار يُسَجل لها.
أما الولايات المتحدة في فيتنام، فقد كانت قوة نارية غير مسبوقة، حيث استخدمت في تدميرها أعظم القدرات العسكرية في العالم. وتعرّضت مساحات شاسعة من فيتنام للقصف، واستخدمت كميات ضخمة من المتفجرات، ومواد إزالة الغابات، مثل «العامل البرتقالي». وعلى الرغم من التفوق الجوي والتقني الهائل، لم تحقق الحرب أهدافها السياسية النهائية. وبعد سنوات من القتال والخسائر، انسحبت القوات الأمريكية، وانتهت الحرب في عام 1975. كان حجم التدمير هائلاً ومرعباً، لكن النتيجة لم تكن نصراً عسكرياً، أو سياسياً.
ولا بدّ هنا أن نذكر الجزائر التي تعرضت للقمع والهدم والتدمير إبّان الاحتلال الفرنسي. ودافعت عن استقلالها بصمود شعبها، وإصراره على الحرية، ذلك الإصرار الذي دفعت فيه الأرواح والدماء، فكان أسطورة انتصار.
الدرس يكرر نفسه.. التاريخ لا يقيس الانتصارات بعدد المباني التي تهدمت، ولا بعدد الأطنان من المتفجرات التي ألقيت، ولا بمساحات الأراضي التي تحولت إلى أنقاض. فالمدن يمكن تدميرها وإعادة بنائها. أما النصر الحقيقي فيقاس بالقدرة على تحقيق الأهداف، السياسية والاستراتيجية، للحرب. لهذا تبدو صفحات التاريخ واضحة في رسالتها.. من موسكو الى برلين، ومن آسيا الى فيتنام، لم يكن التدمير طريقاً للنصر. بل إن كثيراً من الجيوش التي أتقنت الهدم والدمار انتهت الى الهزيمة.
التدمير قد يصنع مشهداً مرعباً في الحاضر، لكنه لا يضمن كتابة التاريخ لمصلحة صاحبه. ولهذا فإن ما نشهده اليوم من مآسٍ، في غزة وفي لبنان، لا يعدو كونه لحظة عابرة، ليست حاسمة، ولا تعني انتصاراً. التدمير والانتشاء والتفوق العسكري ليست النهاية، ودروس التاريخ كثيرة: النصر هو ما صنعته أوروبا ضد ألمانيا النازية، على الرغم مما لحق بها من دمار.. النصر هو ما صنعته آسيا بصمودها ضد اليابان.. والنصر هو ما صنعه الشعب الفيتنامي، على الرغم من ضعف قوته العسكرية أمام آلة الدمار الأمريكية، وإجبار جيشها على الانسحاب.. الدمار يطال الحجر لكنه يخلق في البشر قوة غريبة تعيد رسم خريطة الحرب.
يقول التاريخ: «النصر قوة في النفوس توقظها آلة الدمار فتخلق من الصمود.. أقوى انتصار».
*كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة