الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

فتوّات نجيب محفوظ

14 يونيو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 14 يونيو 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في حارات نجيب محفوظ التي يلمسها القارئ في سطوره، ويشّم رائحتها في عباراته، ويعيش أحداثها كأنه من أهلها، نجد شخصية الفتوّة، سواء كان شريراً أو خيراً، حالة خاصة، نفخ فيه من أفكاره وفلسفته الكثير، لم يكن فتوّة محفوظ مجرّد عضلات مفتولة، و«نبوت»، ومعارك، عشوائية أو مدبّرة، وإنما هو السلطة في أصفى صورها البدائية، أداة يفسر بها معنى العدل والظلم على الأرض، كائن فريد يقف مرتبكاً على خط رفيع مشدود بين ضفتي الملائكة والشياطين، فهو أحياناً حامي الفقراء والمحتاجين، حين يلتزم بأخلاق النبوّة كما صوّرتها الكتب السماوية، وأحياناً هو الطاغية المستبد ناهب قوت الناس وساحق كرامتهم، حين تُسكره القوة، ويُغريه التسلّط.
ولا تخلو حارة نجيب محفوظ من «البيت الكبير» أو «التكية»، فإذا كانت الحارة هي مسرح الصراع اليومي، فالبيت الكبير والتكية هما الحلم، والأماني، والرمز الذي يتوقون إليه، ويمثل لهم الرحمة المفقودة، والصفاء الروحي.
وجسّد محفوظ في ملحمة الحرافيش «هذه الصورة الفاتنة»، فهي سلسلة من الفتوّنة المتوارثة، فالفتوة الأول عاشور الناجي هو رمز العدالة ومعناها، لم يطلب القوة لذاتها، وإنما وُجدت بين يديه في لحظة فارقة، حين أجهز الوباء على معظم سكان الحارة بمن فيهم الأقوياء، خرج عاشور الناجي من هذه المحنة بنفسية أولياء الله الصالحين، يأخذ من الأثرياء ليطعم الحرافيش وأصحاب الحاجات، يؤدّب الطغاة وغِلاظ القلوب الذين يستضعفون البسطاء والأرامل، فيتحول إلى أسطورة تحلف الحارة بنقائها وعدالتها، على مَر الزمان.
لكن في عالم نجيب محفوظ الفساد مرض حتمي، جراثيمه تهاجم أصحاب المناعة الضعيفة وتُفسد قلوبهم، وبالضرورة تتبدل الأحوال بعد رحيل الفتوة العادل، ويغادر الأولاد والأحفاد ضفة الملائكة إلى غابة الشياطين، لم يكن هذا مجرد انحدار سلوكي تفرضه الحبكة الدرامية، وإنما تعبير عن أزمة سياسية أزلية تؤرق نجيب محفوظ في أعمال كثيرة، منها «أولاد حارتنا»، فالجدّ الأكبر «الجبلاوي» يترك إدارة الوقف لأبنائه الفتوات، لكنهم بدلاً من توزيع ريعه بالعدل على أهل الحارة، يستولون عليه لأنفسهم ورجالهم الأشداء.
لم يعُد الفتوة مشروعاً أخلاقياً، وصار مركزاً للخوف والترهيب، لكنه يعيش قلقاً وجودياً، فهو يعلم يقيناً أن شرعيته معلقة بقوة ذراعه، وقوته مرهونة بالزمن، والزمن ترس يهرس العمر والقوة، وأن ثمة فتوة آخر ينتظر الفرصة.
شخصيات الفتوة عند محفوظ وثيقة فلسفية بأن العضلات قد تصنع حاكماً لأيام، لكن العدل هو ما يمنح صاحبه الخلود في الذاكرة الجمعية للناس.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة