الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الكرامة التي تسرق الفرص

8 يونيو 2026 00:13 صباحًا | آخر تحديث: 8 يونيو 00:14 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
هل فكرت يوماً في حجم الفرص التي خسرتها كرامتك؟ تلك التي ظننت أنك تحميها بصمتك، بينما كنت تغلق بها أبواباً كان يمكن أن تُفتح لك.
عندي صديق، رجل نحترمه، يخاف من الطلب كخوفه من الهزيمة. حين يضيق به الحال يغلق على نفسه ويقنع نفسه بأن كرامته محفوظة في صمته. من يعرفه يرى حاجته بوضوح، يغرق في حاجة لم يجرؤ على نطقها. وهناك من رُفض طلبه يوماً فجُرح، فأقسم ألا يطلب ثانية حتى لا يتألم. الصورة التي نحميها بصمتنا لا يراها أحد، والحاجة التي نخفيها يراها كل من يعرفنا حقاً.
في ثقافتنا يكبر الفرد على فكرة أن من لا يحتاج إلى أحد هو الإنسان الكامل، وأن حاجتك للآخرين خدش في صورة القوة. نحن لا نرفض الطلب لأننا لسنا بحاجة، بل لأننا نخاف أن يُنظر إلينا كمحتاجين. نستخدم الكبرياء كحصن دفاعي، ونظن أن طلب الدعم سيكشف ضعفنا. نحن لا نحمي كرامتنا، نحمي صورتنا المزيفة.
نعيش أحياناً في وهم الشفافية، فنظن أن حاجتنا واضحة وأن الآخرين لابد أن ينتبهوا لها. لكن لا أحد يرى ما لا يُقال. المسؤول لا يرى إلا المطالب الواضحة، والفرص لا تأتي إلى أحد، بل يبحث عنها أصحابها. وكثير من الناس لا يخسرون فرصهم لأنهم غير مؤهلين، بل لأنهم ينتظرون أن يلاحظهم أحد.
وحين لا يتحقق ما ننتظره، يتحول الصمت إلى قلق وشعور مزمن بالظلم. لم نعد نعاني من الحاجة نفسها، بل من إنكارها.
ثمة فرق بين الطلب والاستجداء والانتهازية. الطلب حق تطالب به بناءً على قيمة أضفتها أو جهد بذلته. أما الاستجداء فطلب ما لا تستحق، والانتهازية اقتناص ما لا تستحقه. نحن لا ندعو إلى الاتكالية، بل إلى الجرأة على المطالبة بما تستحق.
لكن المشكلة أعمق من ذلك. صار الطلب في أذهاننا مرادفاً لفقدان الحياء، فالمحتاج الحقيقي يفضل المعاناة في صمت على أن يُنظر إليه بعين الطامع. وهكذا نترك الساحة لمن لا يترددون. وبينما نراهم غير مستحقين، يراهم أصحاب الفرص مبادرين.
الطامع لا يفكر فيك أصلاً، هو مشغول بما يريد. أما أنت فتفكر فيه وتخسر فرصتك، ثم تجد لنفسك عذراً لأن الاعتراف بأن الكبرياء هو السبب أشد إيلاماً.
المشكلة أن كثيراً من الناس يظنون أن العالم عادل بما يكفي ليلاحظهم. لكن العالم لا يعمل بهذه الطريقة. العالم لا يكافئ الأفضل دائماً، يكافئ من ظهر وطلب، وهذه حقيقة قد تبدو قاسية، لكنها تفسر لماذا تضيع فرص كثيرة من أشخاص جيدين لم يطلبوا شيئاً، بينما يحصل عليها آخرون لأنهم تجرؤوا على السؤال.
قالوا قديماً: حبة الجوز لا تعطيك لبّها إلا إذا كسرتها، وحاجتك لا تُعرف إلا إذا قلتها.
الكرامة الحقيقية أن تعرف متى تتكلم.
بعض الناس لا تهزمهم الحياة، يهزمهم صمتهم.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة