لعل سؤال كيفية مجاراة اللغة للمتغيرات الحياتية العصرية، هو من الأسئلة الملحة، فهل تكتسب الكلمات والمفردات معاني ودلالات جديدة، أم تحتفظ بذات القديم؟ البعض يشير إلى أن اللغة تتسم بالمرونة والتطور المستمر لتعكس تفاصيل الحياة العصرية وتلبي احتياجات المتحدثين بها، وهي تفعل ذلك عبر آليات لغوية واجتماعية تجعلها تواكب العصر.
وربما من أبرز تلك الآليات، الاشتقاق، وهو توليد الكلمات الجديدة من جذور لغوية قديمة لتعبر عن مخترعات حديثة مثل «الحاسوب»، وهناك النحت اللغوي، والتعريب وهو إدخال الكلمات الأجنبية إلى النظام الصوتي والصرفي العربي وتغيير أوزانها على نحو: «تلفزة» و»راديو»، ما يشير إلى مقدرتها على الاستيعاب والتطور ، فهي تمتلك إمكانية التوسع الدلالي بمنح معان جديدة، بفضل بنية العربية المرنة، وجذورها الاشتقاقية الواسعة، ما يمنحها حيوية مستمرة عبر العصور. تغلبت العربية تاريخياً على موجات التطور العلمي، فهي تملك المقومات الذاتية لمواجهة تحديات المستقبل الرقمي.
ولعل من نافلة القول الإشارة إلى أن التردي الثقافي في أي عصر يصيب اللغة بالتراجع، فتسود الكلمات والمفردات المتدنية، وذلك حدث في أوقات كثيرة، فهي كائن حي تؤثر وتتأثر بالواقع والحياة، ومتى ما بدأ الاهتمام بها فهي تزدهر وتقاوم التراجع والانحطاط، فعندما تواجه اللغة خطر الموت أو التهميش بسبب العولمة أو سيطرة لغات أخرى، تتدخل عدة عوامل وممارسات لحمايتها وإبقائها حية.
وربما من أبرز تلك العوامل التي تبقي اللغة حية الدعم الحكومي والمؤسسي والمجامع والمنظمات اللغوية وقيام مؤسسات لتعريب المصطلحات والمعاجم وتحديثها، ووضع سياسات لحماية الهوية اللغوية، وصنع محتوى إلكتروني يجعلها متواجدة باستمرار على الإنترنت والشبكة العنكبوتية والتطبيقات وغيرها، ونقل اللغة الأم للأجيال الناشئة عبر المناهج، والتشجيع على التحدث داخل الأسرة كعنصر فخر، ومن خلال الإنتاج الثقافي والفني عبر واستمرارها في الأدب والأفلام، والأغاني، ما يجعلها قريبة من وجدان الشباب والمجتمع، وأيضاً إدراجها ضمن اللغات الرسمية للمنظمات العالمية. في الواقع نجد أن هناك بعضاً من الدول العربية التي اتجهت بشكل كبير نحو العناية بالعربية والنهوض بها لتواكب العصر الرقمي. تجسد هذا الاهتمام في سن تشريعات قانونية ملزمة، وإطلاق مبادرات وجوائز عالمية، ورقمنة المحتوى العربي، وكذلك إقرار قوانين للغة الضاد والاهتمام بالمعاجم والمجامع اللغوية، وذلك من شأنه أن يبقي اللغة حية ومتطورة ومقاومة لعوامل الاندثار أو التراجع.
