الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

مذكرة «هرمز».. ويبقى الجمر تحت الرماد

16 يونيو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 16 يونيو 00:10 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تتوالى الأنباء عن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، بوصفها محاولة لاحتواء أزمة ألقت بظلالها الثقيلة على أمن المنطقة واستقرار ممراتها الحيوية. غير أن القراءة المتأنية لما تتداوله التقارير بشأن بنودها تشير إلى أن ما يجري لا يرقى، حتى الآن، إلى تسوية دائمة، بل يبدو أقرب إلى تهدئة مؤقتة أو خفض محسوب لمستوى التصعيد. فالجمر لا يزال تحت الرماد، والمسافة بين وقف إطلاق النار والسلام الحقيقي لا تُختصر بتوقيع أو إعلان، بل تقاس بمدى الالتزام العملي بما يعزز أمن المنطقة ويمنع عودة التوتر.
تبدو المذكرة، وفق ما نُشر من معطيات أولية، إطاراً مرحلياً يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، ورفع القيود البحرية عن الموانئ، ووقف العمليات العسكرية على الجبهات. وهذه خطوات مهمة إذا تحققت، لأنها تخفف منسوب الخطر المباشر، وتمنح المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس بعد مرحلة من القلق والتوتر. لكنها في المقابل لا تعني نهاية الأزمة، خاصة إذا بقيت ملفاتها الجوهرية، وفي مقدمتها الملف النووي وضمانات أمن الملاحة، مؤجلة إلى جولات لاحقة أكثر تعقيداً.
ومن أبرز ما يستدعي التوقف أن إعادة فتح المضيق لا ينبغي أن تكون إجراءً مؤقتاً أو مشروطاً بترتيبات قابلة للتأويل، بل يجب أن تقوم على مبدأ واضح: حرية الملاحة في الممرات الدولية حق لا يجوز تحويله إلى ورقة ضغط سياسية أو أمنية. فإذا صحّت الإشارات المتداولة حول ترتيبات لاحقة قد تمنح أي طرف قدرة مؤثرة على التحكم في آليات العبور أو فرض أعباء إضافية على السفن، فإن ذلك يستدعي معالجة دقيقة تضمن ألا ينتقل المضيق من أزمة الإغلاق إلى إشكالية الإدارة المشروطة. فاستقرار الممرات البحرية لا يتحقق بمجرد فتحها، بل بضمان ألا تُستخدم مستقبلاً كأداة ابتزاز أو تصعيد.
أما في المسار النووي، فتبدو الفجوة أعمق من أن تُعالج بتهدئة قصيرة. فالمطلوب ليس مجرد تأجيل للخلاف، بل بناء إطار رقابي واضح وموثوق، يطمئن المجتمع الدولي ودول المنطقة إلى أن أي تفاهم لن يتحول إلى هدنة تكتيكية تسمح بإعادة ترتيب الأوراق. وفي هذا السياق، تظل الحاجة قائمة إلى ترتيبات شفافة بشأن التخصيب، والمخزون النووي، وآليات التفتيش، بما يضمن خفض المخاطر لا ترحيلها. فالأزمات المؤجلة لا تختفي، بل قد تعود في توقيت أصعب وبكلفة أعلى.
ومن المهم، عند قراءة المشهد، تجنب المساواة بين الجهود الرامية إلى حماية حرية الملاحة وخفض التصعيد، وبين أي سلوك إقليمي يوظف الممرات البحرية أو أوراق الضغط الأمنية في لحظات التوتر. فالمنطقة لا تحتاج إلى إدارة مؤقتة للأزمات فقط، بل إلى قواعد واضحة تمنع تحويل الجغرافيا الحساسة إلى مصدر تهديد دائم. كما أن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى نتيجة جانبية لتفاهمات تُدار بعيداً عن دوله، بل يجب أن يكون ركناً أصيلاً في أي ترتيب إقليمي مستقبلي.
ومن زاوية خليجية، يبرز سؤال جوهري: أين موقع دول الخليج العربية في أي صيغة تخص أمن مضيق هرمز؟ فهذه الدول ليست طرفاً هامشياً في المعادلة، بل هي الأكثر اتصالاً بتداعياتها الأمنية والاقتصادية. ومن ثم، فإن أي تفاهم يرتبط بإدارة المضيق أو ضمان الملاحة يجب أن يمنح دول الخليج دوراً واضحاً وفاعلاً، لا مجرد تشاور لاحق بعد اكتمال الترتيبات. فالمنطقة دفعت كلفة التوتر، ومن حقها أن تكون شريكة في صياغة ضمانات الاستقرار.
وتنسجم هذه الرؤية مع المقاربة الخليجية الثابتة التي تجمع بين الحكمة والصلابة، فهي تدعم خفض التصعيد، وتشجع الحلول الدبلوماسية، وتؤكد احترام القانون الدولي، وسيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، وحماية أمن الممرات البحرية. لكنها في الوقت نفسه لا ترى في التهدئة المؤقتة بديلاً عن معالجة جذور الأزمة، ولا تقبل أن يتحول أمن الخليج إلى مساحة اختبار أو مقايضة. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي مذكرة لن يكون في لغة النصوص، بل في قدرتها على إنتاج التزام قابل للقياس، يضمن حرية ملاحة دائمة، ويمنع عودة التصعيد بثوب جديد.
في المحصلة، قد توقف هذه المذكرة نزيف المواجهة مؤقتاً، وهذا مكسب مهم إذا تحقق. لكنها لن تصنع سلاماً ما لم تتحول من هدنة قصيرة إلى مسار جاد يعالج أسباب الأزمة. فالستون يوماً المقبلة، إن اعتمدت هذه المهلة، ليست نهاية الطريق، بل هي اختبار للنوايا والالتزامات. وما يجري بين واشنطن وطهران ليس نهاية حرب بقدر ما هو استراحة محارب.
ومن يقرأ سكون البندقية بوصفه موتاً لها، قد يكتشف لاحقاً أنها كانت تنتظر لحظة أخرى لتتكلم من جديد، ولكنها ستكون، بلا شك، تحولاً كبيراً في مسار الصراع وقد تخرجه من مسرح المواجهة العسكرية إلى طاولات المفاوضات والآليات الدبلوماسية السلمية، ما يفرض تحويل هذه اللحظة التاريخية من مجرد تسوية سياسية عابرة إلى حجر زاوية لبناء مستقبل مستدام للجميع.
* باحث في منصة (مفكرو الإمارات)
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة