الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الذكاء الاصطناعي و«شات جي بي تي»

15 يونيو 2026 01:17 صباحًا | آخر تحديث: 15 يونيو 01:18 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لا شك في أن حياتنا أصبحت أسهل وإنجازاتنا لمعاملاتنا صارت أسرع بفضل التطور التكنولوجي والتقني، ليس هذا فقط، فقد لعبت ثورة الاتصال والتواصل في تقريب ثقافات الشعوب من بعضها، حتى أصبحنا نعيش في ما يطلق عليه (القرية الصغيرة).
ورغم هذا التقارب لا تزال وسائل التواصل الاجتماعي، وهي من مخرجات التكنولوجيا الحديثة، وخاصة تكنولوجيا الاتصال والشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت)، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على استخدامها، تدافع عن نفسها أمام الاتهامات التي تُوجه إليها بالجملة من المحافظين والمتطرفين وغيرهم، بل ويحملونها مسؤولية الفساد وانتشار الرذيلة، وأنواع السلوكيات القبيحة كافة، بينما هي لم تُصنع من أجل ذلك لأن شريحة من البشر هي التي حوّلتها إلى واحات للفساد. وعلى سبيل المثال فإن مارك زوكربيرغ، صاحب منصة «فيسبوك»، كان قد اختارها ليجمع خريجي الجامعات والمدارس، لكن الناس حوّلوها إلى مكان للتعارف والتجارة ونشر الصور العارية والابتزاز. ويمكننا القول باختصار إن وسائل التواصل بريئة من كل الاتهامات، والمتهم الأول والأخير هو الإنسان المستخدم لها.
ولم يكد الجدل يستقر ويبرد بشأن وسائل التواصل الاجتماعي حتى ظهرت لنا منصات دردشة أكثر تقدّماً، بل هي فائقة السرعة، وحلّت محل كل محركات البحث بجودة أعلى ومنطق متقدّم ألا وهي الذكاء الاصطناعي وchat gpt. وعلينا أن نتدارك أمراً قبل الوقوع في الخطأ، ونقول إن الذكاء الاصطناعي هو تقدّم آخر وفتح جديد للعصر التقني والتكنولوجي، وحين نتحدث عنه فإننا لا نعني تلك التقنيات والبرامج الحديثة جداً التي تستخدمها الحكومات والمؤسسات، ما أدى إلى تسريع إنجاز الخدمات، وهذا الذكاء الاصطناعي يُستخدم على نطاق واسع هذه الأيام، ابتداء من قيادة الطائرات وصولاً إلى تأليف القصائد، ولكننا نتحدث عن محركات البحث والدردشة مثل chat gpt التي حلّت محل غوغل، واستطاعت ببرمجتها الخارقة أن تحل محل المهندس والفنان وطالب الجامعة والشاعر والباحث والمصمّم وغيرهم.
إن الاتهامات التي تُوجّه لهذه المحركات تبدأ من الصداقة وتنتهي بالمؤامرة، أي أن (تشات جي بي تي) يراقبك ويتجسس عليك وينقل أخبارك (للأعداء)، ويسعى إلى التحكّم فيك والسيطرة عليك. ويقدّم البعض أدلة وبراهين على ذلك. وقد كان سبباً في خلق المشاكل بين أفراد الأسرة، ناهيك عن المشاكل في النظام التعليمي والبحثي والفني. لهذا تطالب جهات أوروبية بوقف تطوير هذا الذكاء الاصطناعي.
ومرة أخرى، إن الإنسان يُقبل على هذه البرامج بإرادته وكامل وعيه، ويخطط لاستغلالها أبشع استغلال، إلى درجة يسمح لنفسه بالغش التعليمي والبحثي والوظيفي والإبداعي، فهذا الذكاء يستطيع أن ينجز لك بحثاً أو مقالة اجتماعية أو سياسية أو حتى علمية خلال زمن قياسي. أي أنه لم يعتدِ عليك ولم يتجسس، لأنك أنت من تزوده بمعلوماتك الخاصة.
ولا يخفى على أحد أن كتّاباً كثيرين وإعلاميين باتوا يستخدمون هذه المنصات بغزارة، ولا أستبعد منهم المحللين السياسيين أيضاً وربما كتاب المقالات السياسية، وقد قرأت أن أحدهم كتب ثلاثين رواية خلال عامين ونشرها، ولاقت إقبالاً كبيراً من القراء، لكنه اعترف بعد ذلك بالمؤلف الحقيقي لتلك الروايات.
إن السيطرة وتقنين استخدام هذه المنصات أو ترشيدها في غاية الصعوبة، وقد حاولت حكومات كثيرة السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي وفشلت. نعم تستطيع مراقبتها، ولكنها لا تتمكن من السيطرة عليها، لأنها تصطدم بقوانين حرية التعبير والآراء الشخصية، والمساحات الافتراضية الخاصة أو الشخصية، وبالتالي، يبقى الوضع كما هو عليه، بل ولجأت الحكومات إلى استخدامات منصات التواصل الاجتماعي من خلال الجيوش الإلكترونية للتأثير في قضية معيّنة أو الدفاع عنها، بل يقال إن جهة سياسية تقوم بتدريب وتأهيل أشخاص في مجال الدين، ليفتعلوا الحوارات ويثيروا الضغائن والحساسيات الطائفية، وزرع التفرقة في المجتمع.
تبقى المسألة منوطة بالأخلاقيات والالتزامات والإخلاص والصدق مع الذات، في استخدام منصات الذكاء الاصطناعي، فمن يريد الغش، سيرتكبه في حياته كلها، وليس في بحث مدرسي أو جامعي. أما في ما يتعلق بتأثيره في العلاقات الأسرية سلباً، فهذا تتم معالجته كما تُعالج أي قضية أخرى، عن طريق الحوار الهادئ والنقاش البنّاء للوصول إلى أرضية مشتركة. ولو جاز لي أن أعطي رأيي في المحصلة، أنا لا أجد حرجاً من الحديث مع الذكاء الاصطناعي ومناقشته والدخول في جدال معه، لأنني أعلم، ولو بشكل مبسّط، كيف تمت برمجته وتغذيته بالمعلومات، وكيف يستطيع معالجة آلاف البيانات خلال لحظات. لهذا أرى أنني أمام مجموعة من الشخصيات وليس شخصاً واحداً، وقد أطرح عليه قضية سياسية وأطلع على رأيه، وبالمناسبة هو يقدم آراء عديدة وليس رأياً واحداً.
الذكاء الاصطناعي شأنه شأن أي تقنية أخرى، يجب استخدامه بذكاء وموضوعية، وهناك متعة حقيقية في مناقشته، إلى درجة تشعر أنك أمام إنسان حقيقي، له مشاعر، والجميل أنه يذكّرك دائماً أنه لا عواطف له.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة